المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

التطوع .. المنظومة التي لا تعمل

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن لي سابق معرفة به عندما قابلته مع مجموعة من الأصدقاء في مطار أنطاكيا التركي، بالقرب من الحدود التركية السورية، يحزم أمتعته استعداداً للدخول إلى سوريا، مع مجموعته التي جاءت من لندن للمشاركة في حملة إغاثية، بدؤوها في بريطانيا، بعدة حفلات لجمع التبرعات، ومن ثم انتدبته مؤسسته ومجموعة أخرى للوصول إلى سوريا، وإيصال المساعدات إلى السوريين المحتاجين بالتعاون مع المؤسسة التي كنت اعمل فيها.
لم تكن هذه أول مرة يحضر فيها إلى سوريا، هذا البريطاني ذو الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، إذ سبق له أن قاد سيارة إسعاف من برلين، عابراً أكثر من 5 دول أوروبية، وصولاً إلى حدود سوريا، في سرب من سيارات الإسعاف التي تم شراؤها بأسعار رخيصة من مصانعها.
لا أخفي سراً بأنني كنت أتوجس من زيارات الأجانب إلى بلدي، حتى الإنسانية منها، إذ سرعان ما تبدأ نظرية المؤامرة بتشغيل كافة أجهزة الإنذارات في عقلي، وصياغة تحليلات جديدة، وربطها بسوابق أخرى، إذ لم أكن أتصور الدافع الحقيقي الذي يدفع شاباً غربياً، يعيش حياته بسعادة وأمل، للسفر آلاف الأميال، والقذف بنفسه في أتون الحرب وسعارها، للمشاركة في حملة إنسانية لصالح مجموعة من البشر لا يعرفهم، ولا يربطهم به أي رابط، سوى رابط الإنسانية؟ ما السبب الحقيقي الذي يدعوه إلى الإقدام على هذا الأمر؟
خلال عملي السابق في المؤسسات غير الربحية تعرفت على كثير من هؤلاء الأشخاص، وحاورتهم وسألتهم أسئلة صريحة وجريئة، بدا بعضها مضحكاً، والآخر كيدياً، ولكنها قادتني إلى حقيقة تستحق الوقوف عندها، إذ وجدت نظرة الغربيين إلى التطوع تختلف جذرياً عن نظرتنا، ويتعاملون معه على أنه أمر مقدس، كما ننظر نحن إلى العبادة ونقوم بها، بل وعليها يقاس شئ من النظرة الاجتماعية للشخص في مجتمعه وبين أهله، فالمتطوع شخص مقدر كما هو الطبيب والمهندس في مجتمعنا.
ليس من الجديد أن أخبركم بأن نسبة المتطوعين في أمريكا هو أكثر من 25% من المواطنين الأمريكين، أي ما يزيد عن 75 مليون متطوع، متوزعين على أكثر من مليون ونصف مؤسسة غير ربحية أو غير حكومية، ويتلقون تبرعات بمئات مليارات الدولارات سنوياً، ينفقونها في ولاياتهم، أو خارجها - في أفريقيا وآسيا- على التعليم والصحة والإغاثة، وغيرها.
نظرتنا إلى التطوع نابعة من أنه نافلة لا بأس بالإفلات منه، وأنه عمل نقوم به في فضول أوقاتنا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصل إلى درجة التقديس، وقد لا اختلف شخصياً مع كل هذا، وإن كان طموحي بأن نصل إلى ما هو أسمى من ذلك، ولكننا يجب أن نتذكر جيداً أن وعدنا للآخرين بالقيام بعمل ما ينقلب إلى واجب بمجرد التلفظ به، ويصبح لزاماً علينا الالتزم بأدائه، سواء أكان هذا عملاً مأجوراً أو تطوعياً، إذ لايمكنك الوعد بالتبرع بمبلغ ما، أو تقديم جهد ما، في لحظة نشوة أو فرح، ثم النكوص عنها لحظة السداد أو المطالبة، وكأن الشخص المتحدث قد تغير، أو أننا نتحدث مع شبيه له!
كم من الجمعيات والمؤسسات تعبت كثيراً في مرحلة التأسيس وجمع الطاقات والكفاءات، ولكن لم تحصّل ربع ما وُعدت به بعد أن بدأت العمل الجدي ّوالحقيقي. كم هو من المؤسف أن تسمع كلاماً جميلاً يحثك على الإقدام ويعدك بالعون والمساعدة، ولكن يختفي هذا الصوت بمجرد إطلاق صافرة البداية!
أعتقد - وأنا من الكافرين بنظرية المؤامرة الآن - أن أصل المشكلة ذاتي وداخلي، ويجب علاجه من جذوره، وأن هذا الأمر هو مرض ثقافي مجتمعي، يجب علاجه على مستوى المجتمع بأكمله، والعودة إلى جذور الأفكار المؤسسة له، إذ كثيراً ما نردد الأمثال المادية التي تحض على الكسب والاغتنام الفردي، ونغفل عن الكثير من مواقف البذل والتضحية، من رجال ونساء سطروا تاريخاً جميلاً بمداد أعمالهم وعطائهم.
أحد أصدقائي يقول لي: "نظم لي وقتي، وأنا أعطيك ساعتين يومياً للتطوع"! ربما يكمن جزء من الحل -ظاهرياً-في هذا الأمر، إذ أن الشعوب التي تنظم وقتها تضمن فائضاً يومياً يسمح لها بتقديمه مجاناً لمن يحتاجه، ولكن هذا يعود بنا أيضاً إلى أساس نظرتنا إلى الوقت وكيفية التعامل معه، إذ أننا لا نحب الروتين، ولسنا مستعدين للعيش تحت سطوة الوقت الدقيق والمحدد، ونحب البحبوحة في ترتيب الأوقات والأعمال.
ما نحتاجه هو تعليم أبنائنا وبناتنا - وأنفسنا قبلهم- بأن التطوع هو ركن ركين من أساسات المجتمع، وعليه بني جزء كبير من الحضارات السابقة والقائمة، التي لم تنتظر من الحكومات القيام بكل شئ لوحدها، وأنه لا ينبغي لنا معاملة الحياة كلها على أساس المادة، إذ أن العطاء هو أساس الأخذ، وأن المبدأ هو "غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون".
بعض الجامعات تفرض على طلابها شيئاً من التطوع والعمل المجتمعي، وذلك لتحفيزهم عليه، وهذه طريقة رائعة لإيصال رسالة التطوع، والتي مفادها أن أثر التطوع عائد على أنفسنا قبل غيرنا، وأن خبراتنا تتراكم وتتزايد من خلال التطوع، وأرواحنا تنتعش، وأعمارنا تتمدد، وأنفسنا تكسب قيمتها الحقيقية من خلال التحرر من عبودية وسلطة المادة.
أعود إلى صديقي البريطاني، والذي أفهم الآن تماماً توجهاته، وأفهم كذلك - وطبقاً لهرم ماسلو للحاجات الإنسانية- أن لكل إنسان غاية يعمل عليها، وهدف يسعى لتحقيقه، سواء أكان خاصاً به أو بالمجموعة التي يعمل لصالحها، ولكن مجرد الإقدام على خطوة جدية لتحقيق هذا الهدف، وسواء اتفقنا أو اختلفنا على أهميته وإيجابيته، لهو عمل عظيم يضاف إلى قائمة الإنجازات للشخص وأمته وعالمه ..
تطوع .. ولا تتردد، فمتطوع فاعل خير من مستريح قاعد

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع