المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

خبير "فيسبوكي"

تم النشر: تم التحديث:

تفتح صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي، فتجد شاباً في العقد الثاني أو الثالث من عمره، يعلّق على باب صفحته تعريفاً فضفاضاً يذكّرك بعتاولة التخصصات والمعارف: خبير في الشأن الفلاني، أو استشاري، أو خبير استراتيجي. تعريف للذات والقدرات لم يترك للخبراء والاستشاريين الفعليين مكاناً أو مجالاً.

ليس هناك أي حدود أو ضوابط للتعريف في الفضاء العام، وليس هناك أي نوع من الرقابة، وهنا تعمل قدرات الإنسان التسويقية ورغباته في اختراع ما يحلو لها من أسماء ومسمّيات؛ ليبدأ بنفسه تصديق ذلك والترويج له في محيطه ومن حوله.

كلمة "خبير" هي من الخبرة، والإحاطة العلمية والعملية بالعلم والتخصص، وليست كلمة تقال بعد أن تقرأ كتاباً أو كتابَين في تخصص ما!

وكلمة "استشاري" تقال لمن تشبع بالعلم والمعرفة حول موضوع ما، ووصل إلى نقطة القدرة على تزويد الآخرين بحلول لمشاكلهم التي يواجهونها الآن، وبالتالي يخرجون إلى وضع أفضل، ولا تقال لمن يستطيع تعريف المعرّف، وتكرار جمل مكرورة ومحفوظة!

الرغبة في تسويق الذات هي جزء من الرغبات البشرية التي لا تزال تذهب بعقل الإنسان وتوهمه بكبر حجمه وقدرته حتى تقضي عليه، وتورده إلى موارد لا يستطيع منها فكاكاً.

يمكن "للخبراء الصغار" أن يكتفوا بتعريفات أجمل وأفضل لمقاماتهم، تكفيهم مؤونة المهمة والمهنة، وتتدرج بهم تدرجاً معقولاً ومنطقياً، وهناك كثير من الخيارات المنطقية والمناسبة لحجم العمل مثل: كاتب، أو باحث، أو مهتم أو متخصص بالشأن أو الشؤون الفلانية، والخيارات كثيرة، وهذا يعطي انطباعاً كاملاً ووافياً لدى المشاهد الذي يربط بين رزانة كلامك وحجم لقبك أو منصبك!

لا تدع للناس مجالاً للازدراء بك خلف ظهرك، وجبّ الغيبة عن نفسك، واعرف حجمك الحقيقي، وعرّف نفسك به احتراماً لذاتك، فهذا فخر لك، وعنوان على أنك تعي ما تفعل وما تقول، وهو دليل على نضجك وقدرتك على تقييم الأشياء بشكل دقيق، بدلاً من السير خلف رغباتك وأهوائك التي يمكنها أن تهوي بك في دركات لا تحسب لها حساباً.

التدرج في كل الأعمال خير، بدءاً من طلب العلم في الصغر، والترقي في مدارج العلم والعمل، والانتهال من أصحاب الخبرة والمعرفة، وصولاً إلى مراتب التدريس والتدريب والعطاء، بدرجاته المختلفة أيضاً، فإن وضعت لنفسك لقب خبير أو مستشار في بداية حياتك المهنية، فماذا تركت لآخرتها؟!

الهمّ الحقيقي الذي يجب أن يشغل بالك دائماً لا بد أن يحوم حول مدى نوع وحجم معلوماتك ومعارفك المتعلقة بتخصصك ومجالك، ومدى قدرتك على تحليل هذه المعلومات والمعارف للخروج بنتائج مناسبة للظروف، وبالتالي تتويجها بحلول عملية للمشاكل التي تحيط بمجتمعك، أو على الأقل للفئة المهتمة، أو المستفيدة من تخصصك.

نحن اليوم في عصر بات المتلقي والمشاهد فيه أقدر بكثير من ذي قبل على تقييم المتحدث أو الكاتب، وغدا أكثر وعياً بحجم الهراء الذي يحيط به من كل جانب، فهو يميز بين الغث والسمين، وببساطة شديدة يستطيع أن يقفز فوق مقالة أو مشاركة لم ترقَ للواقع المحيط به، أو لم تقنعه بحل لمشكلة تتربص به، حتى وإن كان المتحدث خبيراً "حقيقياً" أو استشارياً من عظماء الزمان!

دعونا نرتقي فوق الشكليات، نتوجه بقلوبنا وجوارحنا نحو الأعماق، نبتغي حلاً حقيقياً لمشاكلنا ومشاكل مجتمعاتنا، لا أن نُغدق مجتمعاتنا بأمراض قلوبنا، وعوارض جوارحنا، فنزيد الطين بلّة فوق البلل الذي هو فيه!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.