المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

فيما اقترفناه تجاه ميسون

تم النشر: تم التحديث:

تقاس الحضارات عادة بمدى قدرتها على التعاطي مع الأزمات التي تمر بها، وقدرتها على علاج المشاكل والمعضلات التي تقف في طريق تقدمها. ومع كل موقف يعترض مسارنا يظهر لنا -وبشكل جلي- خلل عميق في طريقة تعاطينا مع أبعاد الموقف ومسبباته، حيث عادة ما نبدأ بالتعاطي مع الظواهر دون الولوج إلى الأسباب، وتأخذنا الحمية في علاج ما يتجلى لأبصارنا بعيدا عن دواخل الأمر وبواطنه.

فيما كتبته ميسون، بكل جرأة ووضوح، كشف لنا عن مدى قدرتنا على دراسة الظاهرة التي فجرتها، ومدى استعدادنا وقدرتنا على فهم الآخر والتعمق في فهم توجهاته وآرائه.

لست هنا لأناقش ذات الموضوع، أو أؤيده أو أرفضه، وإنما أود أن أبحث الطريقة التي تعاملنا بها مع ذات السائل، والمنهجية التي اتبعناها في مناقشة الموضوع.

فبعيداً عن دراسة الموضوع بجدية، وبعيداً عن مناقشة الجذور، بتنا نلوك الشخص وعائلته، وبدلاً من الرد المنطقي العلمي على كتابته، احتفلنا معاً بالسخرية والاستهزاء، وأمطرنا الأمر وابلاً من الشتم والسباب! على ميسون ووالد ميسون! والسؤال هو أَوَكلما خالفنا شخصٌ شتمناه وأباه؟ أوكلما شذ عن طريقنا امرءٌ عاديناه؟

الموضوع الذي فجرته ميسون بات يشغل بال كثيرٍ من شبابنا، ويشوش عليهم دينهم وحياتهم، وبتنا نسمع كثيراً من الأسئلة الوجودية من الشباب في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها أمتنا، ومن يريد أن يغطي الشمس بالغربال فسيفاجأ بما لا يسره في نهاية المطاف.

القرآن الكريم له منهج خاص ومميز في الرد على مثل هذه المسائل، ابتداء من احتواء السائل، والرفق به، والرد عليه بما يوضح الجوانب المهمة، مع مراعاة كاملة لكرامته وإنسانيته، وتجلى ذلك في رحلة سيدنا إبراهيم في البحث عن ربه، وطلب سيدنا موسى النظر إلى وجه خالقه.

ولذا فالرد الصحيح باعتقادي لا يخرج عن احترام ذات السائل، ومحاولة التقرب منه للاطلاع على كنه الموضوع، ومن ثم تفنيد الموضوع والرد عليه بشكل علمي ورصين، بما لا يمس ذات السائل بسوء. وهذه هي الطريقة العلمية التي تمارسها كل مدارس وجامعات العالم في الإجابة على الأسئلة الصعبة، وهذا ما تعلمناه في مدارسنا، ولا أدري لم لا نستطيع إخراج هذه المنهجية العلمية إلى عوالمنا الشخصية والعلاقاتية.

الأسئلة الكبرى لا تزيد الأمة إلا قوة ورصانة، وتحمي شبابها في ظل الفتن والمحن، إذا ما درست أسبابها، وتعقبت جذورها، وتم الرد عليها بما يتناسب مع قيمنا وأصولنا ويلبي احتياجات عصرنا. وللأسف فإننا كثيراً ما واجهنا الأسئلة الصعبة بالهروب، فهرب منا شبابنا إلى غيرنا، حتى إذا ما خرجوا من دائرتنا ضربنا جبهاتنا ندماً وحسرة!

عند الأسئلة الصعبة -كما في امتحان المدرسة- لا تنفع الحماسة والتوقد الشديد، وإنما يتطلب لها التروي والتعقل، والتحليل والتعمق، فكلما غصنا أكثر بان لنا جزء أكبر من الحق والحقيقة.

في جوف شبابنا كثير من الأسئلة المشابهة لأسئلة ميسون، وربما منعهم الخوف أو الخجل، ولكن ما بال غيرنا من الأقوام يواجه صغارهم كبارهم بوابل من الأسئلة التي لا تعرف حداً ولا خجلاً ولا خوفاً، وفي المقابل يجيب كبارهم بكل رقي وتأدب بما تعلموه من علوم ومعارف، حرصاً على روح السائل وتعقلاً بها.

نحن اليوم في مرحلة حاسمة من تاريخ أمتنا، وآن لنا أن نغيّر كثيراً من أدوات تعاملنا وتعاطينا مع الأزمات والأسئلة الكبرى التي تزداد تعقيداً مع تزايد احتكاك نظرياتنا مع الواقع الصعب المرير، وسنخسر -لا سمح الله- كثيراً من شبابنا وشاباتنا إذا ما أصررنا على الاستمرار بنفس أدواتنا وعقلياتنا!

هذه التدوينة منشورة على موقع مدونات الجزيرة.. للإطلاع على النسخة الأصلية إضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.