المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

حلب.. أرض كرّ وفرّ

تم النشر: تم التحديث:

كانت أياماً عصيبة، هاج الناس فيها وماجوا، متدثرين بشعور مختلط ما بين العجز والخزي والعار، مع خوف على أهل بين قبضة الإجرام، وخجل من نفس لا تقوى على تغيير شيء!

دعونا نعترف بأننا استيقظنا في وقت متأخر جداً، فمأساة حلب ليست وليدة تلك اللحظات، وإنما بدأت يوم لم نستطِع أن نجتمع على رأي واحد، وقلب رجل واحد!

بدأ القضم في حلب يوم تقاتلنا على رايات متعددة، ويوم أن داس أحدنا راية الآخر، وجرده من حقوقه وسلاحه!
بدأ القضم في حلب يوم أن لم نجد من نعطيه ثقتنا ونستودعه أماناتنا، يوم أن غدا الرجل فينا مخوناً حتى يثبت العكس!

ليست حلب البداية، وبالتأكيد ليست هي النهاية، فالثورة لا تنتهي طالما لم نقرر نحن ذلك، وطالما نملك أحراراً قابضين على زناد الثورة، ينظرون بعين مصلحتها لا مصالح جيوبهم ودولاراتهم!

ففي حلب، رأينا هامات تعلو، ورجالاً تزأر، وأرواحاً تتعاهد على الموت في سبيل الحفاظ على بقايا كرامة وعزة.

ربما لم تكن اللحظات هي الأصعب في تاريخ الثورة، ولكنها بالتأكيد كانت الأكثر كشفاً للحقيقة المرّة التي رفضناها طوال الفترة الماضية، الحقيقة بأننا متشرذمون، عاجزون، متبلدون، ومتلاومون عند المحنة! نلقي باللائمة على غيرنا، بينما لم نحسن استثمار كثير من الفرص التي سنحت لنا ذات يوم.

الثورة كر وفرّ، وما حصل في حلب لا يخرج عن هذا، وهي جولة من جولاتها، صحيح أننا خسرناها وخسارتنا فيها كبيرة، ولكن ليست الخسارة الحقيقية هي خسارة الأرض، وإنما هي خسارة الإنسان، وخسارة الضمير والموقف الحي.

ربما يكون القادم أصعب، ولكنه أصعب بالتأكيد إذا استمر حالنا على ما هو عليه من تشرذم وتمزق، وبيع ذمم وضمائر، واتباع للهوى والخارج!

القادم أصعب، ولكن هذا لا يمحو عنا مسؤولية الوقوف أمام أخطائنا والاعتراف بها والتعلم منها.

لسنا هنا لنعطي مواعظ للعسكريين أو السياسيين والدبلوماسيين، ولكن بالتأكيد من حقنا تقييم المرحلة السابقة، ودراسة ما وصل إليه حال ثورتنا، سواء بتقصير متعمد أو غير مقصود.

في كل موقف من مواقف الثورة تتكسر عروش فكرية لدينا، وتتدحرج رؤوس لطالما حملناها فوق هاماتنا وفي قلوبنا، وفي هذا الموقف بانت كثير من الحقائق وتكشف كثير من الزيف والوهم.

إن أهم ما يجب أن نقوم به اليوم هو أن نقف أمام ضمائرنا، ونراجع أخطاءنا، وندرس أسباب القصور في خسارتنا، ونتعلم من دروسها، ونبني منها جسراً نحو أهداف ثورتنا وغاياتها.

لسنا أمة يأس ولا أهل قنوط، نحن أصحاب حق موعود، وأرض مباركة، كتب لها أن تعيش لحظات قاسية، وكتب لنا أن نكون شهوداً على هذه المحنة، فإما أن نكون على قدر المسؤولية، وإلا فالاستبدال سُنة الله في هذا الكون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.