المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

فصول تتشكل على أعمارنا

تم النشر: تم التحديث:

لي صديق يحب زيارة الأماكن القديمة، ويعشق مرافقة كبار السن، يأنس لحديثهم، ويستمع مطولاً لقصصهم التي لا يملون من تكرارها، ولا يمّل هو من الإنصات إليها، يمشي معهم من بيوتهم وحتى مقصدهم، يساعدهم في تحقيق رغباتهم، ويعمل على تيسير أمورهم
سألته ذات مرة عن سر حبه لذلك فقال: "في شتاء العمر تخرج حكمة السنين وخلاصة التجربة، وهؤلاء يتكلمون بعفوية ناضجة، عن تجاربهم وتاريخهم، وهذا يضيف إلى حياتي معانٍ جديدة"
تذكرت هذا الصديق قبل أيام، عندما دخل فصل الخريف، ورأيت أوراق الأشجار تتساقط مودعة عالم الحقيقة والحياة .. نظرت فإذا حياتنا فصول متعاقبة، يتبع بعضها بعضاَ، ويقدم السابق التالي، ويقدم الإنسان في كل فصل تجربة فريدة، ويظهر مواهب شتى.
في بداية حياة الإنسان، يكون ربيعاً مزهراً، منتشياً بروحه وجماله، يقف أمام المرآة فيعجبه حسنه وملاحة جسده .. ويحب مرور الدقائق والساعات، بحلوها وأنسها، ويعيش حياة هنيئة، يومها متفتح مشرق، وليلها مؤنس تصحبه الكلمة الجميلة واللحن العذب
في الربيع، تزهر الورود، وتتفتح الأزهار، وتخضر المروج، ويصبح الطريق جميلاً ومحفزاً للحركة، فيتنقل الإنسان، ويمضي من مكان لمكان، يبحث عن مستقر جديد، ومحط آمال لتحقيق الطموحات والأحلام، إذ لا يكفيه مكان واحد، ويغريه تعدد التجارب والأشياء
وفي المقابل، هو فصل تكثر فيه الحساسية التنفسية بسبب غبار حبوب اللقاح، وتكثر فيه الحساسية التنافسية بين الأقران والزملاء، ويُعجب كل امرئ بما لديه فيه، ويعمى الإنسان عن جمال غيره وحسن ما عنده
هو فصل شبابي بامتياز، بما فيه من مغامرات وتجارب، ونشوة وجمال روح وحياة ..
وأما الصيف، فهو ذروة الآمال، ومصنع الأعمال، وفصل تلبية الطموحات، وتحقيق الإحلام .. فصل النضوج والإنتاج، نهاره طويل ممتلئ بالإنجازات، وليله قصير يترقب قادم الأشغال
هو أشد الفصول حرارة، وأكثرها عملاً وإنتاجاً، فيه تكثر ضربات الشمس، وضربات الأعداء والمنافسين، والأقران أحياناً، يعمى فيه الإنسان عن مبادئه وقيمه أحياناً، ويتنازل عن بعضها لصالح رغبة أو شهوة
هو فصل ممتع بمافيه من شموخ واستعلاء، وتخفف من تبعات الآخرين، وجميل بما فيه من لقاءات واجتماعات، يلتقي فيه الإنسان بشتى أنواع البشر، تارة على موعد مع أقارب العائلة، وأخرى مصادفة مع أًصدقاء الصبا ورفقاء الدراسة، ومرات كثيرة يضطر فيها للعمل مع أشخاص لا يعرفهم من جنسيات وطبقات متعددة
وبعد الصيف، يأتي الخريف، النذير المبلغ، إذ تبدأ أوراق العمر بالتساقط، وتظهر شتى أنواع الأمراض على الجسد، وتبدأ الرياح بالهبوب على الجسد المنهك بعد صيف عمر متعب وشاق، محملةً بغبار التبعات والمسؤوليات، فيزيد الحمل ثقلاً على ثقل، ويبدأ الوجه بالتجرد من زينته، والجسم من حلته، وكلما تقدمت أيامه شعر الإنسان بتدني حرارة حياته وأفول نجمه
يتساوى فيه الليل والنهار، وتتناقص فيه الأعمال، وتحد الطموحات من آمالها.. فيه يتصالح الإنسان مع نفسه، ويتعالى على شهواته ورغباته، بعد أن أضعفتها السنون ..
وأسوء مافي هذا الفصل أن يمتد ضبابه إلى قلب المرء وعقله، فيغشيه ويجعله متشائماً لا يرى في قادم الأيام إلا سواداً يهد العمر وينهيه، مع أنه فرصة جميلة لتدارك ما فات من أعمال في غمرة النشوة في سابق أيام العمر
والخريف يمهد للشتاء، شتاء العمر والحياة، آخر الفصول ومجمع الذكريات، إذ يجلس فيه الإنسان على أطلال حياته يتنسم نسائم العهد السابق، ويبحث عمن يحمله إليه
هو فصل تكثر فيه الأمراض، ويكون قاسياً على الجسد والإنسان، بعد أن أنهكته الحوادث والطوارق، وتركت فيه الندوب، ولم يعد يقوى على ما كان معتاداً عليه أيام الصيف والربيع
هو فصل محمل برحمات المطر وخيرات الحياة، فيه حرث لزرع قادم، وتناقل لبذور العمل، وتجديد للعهد مع جيل جديد، يحمل أحلاماً أعلى وطموحات أسمى
هو فصل خلاصة التجارب، وعصارة الأيام، وفيه تتجلى الحكمة الكاميرونية القائلة: "مايراه الكبير الجالس، لا يراه الصغير الواقف على قمة جبل"
إذاً هي فصول أربعة متنوعة، ينتقل بينها الإنسان، انتقالاً طوعياً إرادياً، أو إجبارياً تحكمه الظروف، ولكنها بالتأكيد ليست فصولاً صماء منعزلة عن بعضها البعض، وإنما متداخلة متشعبة، يسلّم بعضها للبعض الآخر
والمهم هنا هو أن لا نسلم لهذه الفصول حياتنا، فنحن من نقرر أي الفصول نرغب، وأيها نريد لهذه الفترة أو تلك، ونحن من نقرر مدة كل فصل وعدد أيامه، إذ هي ليست متساوية منضبطة، ولكنها منسجمة انسجام الروح والجسد، وممتددة ما أردنا لها ذلك
بعض الناس يقضون على حياتهم منذ ربيعها، وبعضهم يتنازل عنها في منتصف صيفها، وأما بناة الأمم وقادتها فيشكلون فصولهم الخاصة، ويجعلونها على حجم طموحاتهم وآمالهم، ولا يرضخون لضغوط أو ظروف، يمضون وحادي ضمائرهم ينادي:
تجري الرياح كما تجري سفينتنا .. نحن الرياح و نحن البحر و السفن ُ
إن الذي يرتجي شيئاً بهمّتهِ .. يلقاهُ لو حاربَتْهُ الانسُ والجنُ
فاقصد الى قمم الاشياءِ تدركها .. تجري الرياح كما رادت لها السفنُ

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.