المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر السيد عمر  Headshot

أوروبا.. وازدواج المعايير

تم النشر: تم التحديث:

لم يعد موضوع الغربة والهجرة بصعبٍ على نفوس السوريين، بعد أن جربوا كل أنواع التشريد، وطرقوا أبواب كل سفارات العالم، بحثاُ عن سماء تظلهم وأرضٍ تقبل بهم، وأصبحت لا تكاد تخلو دولة من دول العالم من مجموعة من اللاجئين أو المقيمين السوريين، بعد أن شردهم نظام الأسد وحلفاؤه، بعد ثورة شعبية خرجت ابتداء على الظلم والفساد .
لا يختلف اثنان في أن صور الغرقى على شواطىء اوروبا مؤلمة لنفس الإنسان، فكيف بالمواطن السوري الذي يرى أجزاء من وطنه ميتة متناثرة على ضفاف دول تدعي احترام حقوق الإنسان، بينما هي في ذات الوقت تغض الطرف عن جرائم بحق الإنسانية يرتكبها الأسد بحق أطفال ونساء يموتون يومياً على وقع البراميل المتفجرة والصواريخ الممزقة
ربما أصبح من البدهي اليوم القول بأن التعامل مع كل الملفات السورية أصبح تعاملاً سياسياً بامتياز، بما فيها ملف الهجرة هذا، إذ أن بلداً شاباً مثل سوريا يفرغ منه الآلاف يومياً وعلى رأسهم الشباب الطموح المولع بالعمل، والمتطلع إلى الإنجاز وتحقيق الذات، ودول اوروبية عجوز تستقبل هذه الأفواج لتزيد من قوتها ومواردها البشرية
ربما يعتقد البعض بأن هذه نظرة جزئية إلى الأمر، إذ أن الأمر إنساني بالدرجة الأولى، ولو لم يخرج السوريون إلى اوروبا، ووقفوا على شواطئها وفي مطاراتها لما استقبلتهم واحتضنتهم، ولكني انظر إلى الأمر من زاوية أخرى، إذ أن المنافذ قد أغلقت أمام السوريين واضطروا إلى هذا الأمر اضطراراً، ولو توفر لهم العيش الآمن في بلادهم لما هاجرت كل هذه الأفواج وعرضت نفسها لخطر الموت.
من الصعب على شخص مثلي، يحب المنطق وأهله، أن يفهم هذا التناقض والازدواجية في التعامل مع هذا الملف بالتحديد! لماذا تضطر اوروبا لوضع نفسها في هذا المأزق؟ أليس من الأجدى لها قطع رأس الأفعى والتخلص نهائيا من جذور المشكلة؟ بدلاً من التعامل اليومي -المزعج لحكوماتها بالتأكيد- مع آلاف من قصص المعاناة الإنسانية بعد أن غزى شواطئها وأراضيها كل من استطاع الوصول إليها!
ثم إن كانت أوروبا والمجتمع الدولي تحترم السوريين وتقدرهم، ألم يكن من الأجدى لها نقل اوروبا الى سوريا من خلال التخلص من الأسد، ومساعدة السوريين - المعروفين بحبهم للعمل - في بناء بلدهم وإعادة إعمارها بعد أن هدتها معاول الأسد!
يبدو الأمر عندي متناقضاً حد الاستهجان! يخير السوريون بين الموت بالرصاص داخل سوريا أو الموت بالغرق في طريق الهجرة، وإلا فهو العيش في ظروف صعبة للبعض ومذلة للبعض الآخر في دول الجوار، إن قبلت بإدخالهم إلى أراضيها أصلاً!
كل الظروف التي يعيشونها تخيرهم بين مر وأمر أمرّ منه!
اوروبا التي تعشق الإدارة والتنظيم، ترفض بالأصل منح السوريين فيز اللجوء والإقامة من سفاراتها في دول العالم، وإنما تمنح بعض دولها حق اللجوء لمن استطاع الوصول إلى أراضيها، وكأن الأمر مسابقة حياة أو موت، من يصل إلى الفردوس فهو يستحقها، ومن لا يصل فالبحار والصحاري له بالمرصاد ! وكأن المبدأ من يطلب الحسناء لا يغله المهر!
ليس صحيحا أن كل من خرج من السوريين هو من طبقة العمال أو غير المؤهلين، وفي المقابل أيضاً ليس صحيحاً أن كل من خرج هم من الأطباء والمهندسين وعلية القوم! كل ما في الأمر أن عينة كبيرة من سوريا أفرغت منها، تحمل في طياتها كل طبقات وفئات وطوائف الشعب السوري، بما فيها من توزيعات جغرافية وعرقية ودينية، حيث أن الموت وحب الاستقرار هو واحد عند كل هؤلاء، وما كان يحلم به السوري داخل بلده أصبح يبحث عنه الآن في دول اللجوء
كانت أمي تقول كلما سافر واحد من إخوتي بأن قطعة منها خرجت معه! وعندما يعود كنا نشعر ببشاشة حلت على وجهها، واليوم تخرج ملايين القطع الجميلة من سوريا، دون أن تدري إن كانت ستعود يوماً إلى حضن أمها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع