المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر ناجي Headshot

بداية 2017: الهدايا تبعث الحياة في علاقاتنا.. فكيف وعلى أي أساس نختارها؟

تم النشر: تم التحديث:

بداية العام الجديد يقترب، وبعد ذلك هناك يوم عيد الحب، نفهم أن هناك موسم لشراء الهدايا قادماً على الأبواب، هذا الموسم مهم جداً، من الناحية الاقتصادية والمالية أيضا.

مع اقتراب الموسم الجديد نسمع نفس ما يقال كل موسم من خلال متابعتنا لوسائل الإعلام المختلفة "هناك حركة مرتقبة في الأسواق ومن المتوقع ارتفاع نسبة الشراء هذا العام".

الهدية وسيلة اتصال رمزية تم التفكير قبل شرائها في كيفية إسعاد ومفاجأة الطرف الآخر وإشعاره بقيمته وخصوصيته بالنسبة لنا، الهدية المصنوعة باليد أو التي صُنعت خصيصاً لشخص معين تعبّر عن المعاني الروحية العميقة التي نُكنها للطرف الآخر، وذلك بسبب البعد العاطفي الذي نستطيع أن نعبِّر عنه من خلال هذه الهدية، المتمثل في بذل الجهد والتفكير من أجل الهدية.

تقديم الهدايا يسعد كلاً مَن المعطي والآخذ للهدية، وبالتالي فإن السعادة هي البعد الخفي الذي نسعى للوصول إليه من خلال الهدايا، والسعادة هي المعنى والمراد الوصول إليه من خلال تقديم الهدايا، ومع ذلك النظر إلى بُعد الهدية (السعادة) فقط عند اختيار الهدايا يعتبر نوعاً من السذاجة؛ إذ إن للهدية أبعاداً أخرى عقلانية وواقعية أخرى فعالة أيضاً، وبالتالي يجب أخذ الجانب الاقتصادي والمادي في عين الاعتبار.

إعطاء هدية وانتظار هدية بالمقابل أو انتظار مقابل الهدية، أي قيمة أخرى، سواء كانت مصلحة مادية أو معنوية يعتبر بعداً اقتصادياً للهدية، "أنا أعطيته هدية غالية في عيد ميلاده أو عرس.. لكن"، كثيراً ما نسمع مثل هذه الأحاديث في حياتنا اليومية.

بالطبع قد لا تكون المسألة هي القيمة النقدية للهدية، وإنما "المهم هو الهدية نفسها، وليس قيمتها النقدية"، وهذا نسمعه كثيراً جداً بشكل متكرر.

من خلال ملاحظاتنا نستطيع القول إن طقوس إعطاء وأخذ الهدايا مسألة توازن اقتصادي بين أعضاء شبكة اجتماعية معينة.

لتوضيح ذلك نأخذ مثالاً بإعطاء الهدايا في الأعراس من قِبل الأقارب للعروس وللعريس، فمثلاً تقديم الذهب أو الفضة كهدية يصب في موضوع التوازن الاقتصادي لزوجين جديدين قادمين على متطلبات مختلفة في حياتهما الجديدة المتمثلة في متطلبات الأسرة، في المقابل في بعض الثقافات يتم الإعلان عن هذه الهدايا أمام الآخرين، وهذا يصب في موضوعنا السابق، أي مقابل ما تم تقديمه من الهدية، هناك من ينتظر مقابلاً مادياً (هدية مقابل الهدية) أو معنوياً (الاحترام والتقدير) من إعطاء الهدية.

الهدية وسيلة تواصل رمزية تعبِّر عن الحب والإعجاب بين الشريكين، وقد تعبر هذه الوسيلة عن إعجابنا بالطرف الآخر، والوقوف بجانبه من خلال تقديم قيمة مادية له (مثلاً شراء تليفون محمول جديد كهدية)، وهذا معناه أني أستطيع أن أقدمك على نفسي في كثير من الأمور، وهذا يوضح لنا بُعداً جديداً تستطيع الهدايا التعبير عنه وهو بُعد الإيثار.

في كثير من الأحيان الهدية تبدأ علاقة حب جديدة، وفي كثير من الأحيان أيضا التهادي في العلاقات العاطفية يعمل على استمرار العلاقات بشكل جيد، وتمد هذه العلاقات بالطاقة الإيجابية في أصعب الظروف.
في شهر فبراير/شباط تزدهر سوق الهدايا ونرى أشكالاً وألواناً مختلفة من الهدايا، منها ما يكون على شكل حزمة متكاملة كهدية جاهزة لتقدَّم للطرف الذي نسعى إلى كسب وده، شهر فبراير هو شهر الحب والهدايا، بل هو فترة مكثفة من العاطفة المرتبطة بهدية عيد الحب، لكن السؤال هنا: هل في هذا الوقت من السنة فعلاً نستطيع أن نشتري الهدية المناسبة، التي من خلالها نفوز بقلوب من نحب؟ أم أننا سنشتري إحدى الهدايا النمطية التي قد جهزت من قِبل رواد الأعمال وبأعداد مهولة؟ أم أننا سنتفرد ونختار الهدية المناسبة التي من خلالها نشبع رغبة مَن نحب المادية والمعنوية؟

الهدية لها معنى رمزي من جهة، ومن جهة أخرى تجارية، فالمسوّقون ينظرون لها من منظور تجاري؛ حيث يسعى الموسوّقون من خلال الهدية لإشباع رغبة كل من مشتري الهدية ومتلقي الهدية، وهذا يمثل تحدياً في دراسات سلوك المستهلكين؛ نظراً لوجود طرفين يسعى المسوق لإشباع رغباتهما، فمثلاً في العلاقات العاطفية هناك تفاوت وفرق من علاقة إلى أخرى، وبالتالي فإن الرغبات ستختلف باختلاف نوعية العلاقة العاطفية وحالتها، فهناك العلاقات التي ما زالت في البداية، والعلاقات الجديّة والمخطط لمستقبلها، والعلاقات الجدية غير المخطط لمستقبلها، والعلاقات الممتلئة بالندم والمشاكل.. إلخ، وبالتالي فنوعية العلاقة ستفرض علينا طريقة اختيار الهدية وشكلها.

اختيار الهدية بشكل إيجابي يحتاج منا لبذل جهد وأيضاً يحتاج لبذل جهد من الباعة ورواد الأعمال في قطاع الهدايا؛ لكي يتميزوا عن منافسيهم، هذا الجهد الذي نبذله يثمر زيادة الألفة بين العشاق، ومن خلال الهدية نستطيع أيضاً أن نضع خططاً مستقبلية لعلاقاتنا العاطفية وتوجيهها للطريق الصحيح، فالهدية بالنسبة للعاشق استثمار طويل المدى في عشيقه أو عشيقته.

على الرغم من أن كلمة "هدية" توحي بالرومانسية وكذلك الإيجابية فإن عملية اختيارها ليست سهلة، فهي عملية مجهدة لمن أراد اختيار الهدية المناسبة.

قبل شراء الهدية هناك مشاعر إيجابية وأخرى سلبية قد يشعر بها مقتني الهدية، المشاعر السلبية نابعة من القلق الذي ينتاب مقتني الهدية فيما لو كانت الهدية التي سيختارها غير مناسبة، أو أن الطرف الآخر قد لا تعجبه الهدية، في هذه الحالة هناك مجموعة من الاستراتيجيات النافعة:

١- أن يضع مقدم الهدية نفسه في ظروف واعتبارات المتلقي للهدية، وكأنه سيشتري هذه الهدية لنفسه.

٢- البحث عن شيء يشبه أو قريب مما يملكه متلقي الهدية من قبل.

٣- شراء هدية يمكن أن تستهلك أو تستخدم بشكل جماعي من قِبل الشريكين المعطي والمتلقي للهدية، (احتمالية الإعجاب من قِبل متلقي الهدية مرتفعة عند استخدام هذه الاستراتيجية).

٤- اقتناء هدية تستطيع من خلالها تسليط الضوء على أوجه التشابه بينك وبين شريكك، أو قد تكون هذه الهدية تصف لحظات أو مواقف عاشها الشريكان مع بعض من قبل (هدية تذكر الطرف الآخر بلحظات جميلة عاشها في حياته).

ومع كل هذه البدائل إلا أن أهم شيء عند اختيار الهدية هو معرفة متلقي الهدية معرفة جيدة، أو السعي لجمع معلومات عنه قبل شراء الهدية في حالة ما إذا كانت العلاقات في بداياتها.

وفقاً للأدبيات السابقة في حالة ما إذا كان مقدم الهدية ليس بينه وبين المتلقي علاقة قوية يفضل اقتناء الهدايا الوظيفية (القمصان والكتب والوسائل الإلكترونية والأقلام.. إلخ)، وأما إذا كانت العلاقة أكثر قرباً وصميمية، يفضل اختيار هدايا متعلقة بجانب المتعة (الشيكولاتة، والزهور، والملابس الداخلية.. إلخ).

الهدية في بعض الأحيان قد تكون مخيبة للآمال، وبالتالي يجب أن يكون المحتوى والرسالة من الهدية ذا قيمة، ويتسق مع نوع العلاقة بين مقدم ومتلقي الهدية.

عند اقتناء الهدية يجب التأكد من أنها لن تعكر صفو متلقيها، أو أنه قد لا يسعد بتلقي الهدية من الأساس أو أن الهدية نفسها ليست مناسبة، هناك هدايا نمطية قد تكون مناسبة في كل الأوقات (كوب، قلم.. إلخ)، لكن مع الأسف هذا النوع من الهدايا لا يولد أي ارتباط عاطفي في كل الأحوال.

بعد تعقب سلوك مشتري الهدايا فإنه يتضح من خلال الدراسات أن مشتري الهدية دائماً يقتني الهدايا التي ستسعده هو وتسعد الطرف الآخر في نفس الوقت، فالهدية هي وسيلة تواصل نستطيع من خلالها أن نبعث السعادة فينا وفيمن نحب، فلنبذل عناء أكبر من أجل اختيارها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.