المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر حماد Headshot

جراح غزة

تم النشر: تم التحديث:

من ذكريات حرب غزة 2014
البلد: الأردن
المكان: المستشفى العسكري (المدينة الطبية)
التاريخ: ١٦/٨/٢٠١٤

بعد زيارتي الثانية ومعي بعض الأصدقاء لجرحى العدوان الهمجي الصهيوني على غزة، أحببت أن أكتب عن بعض المشاهد التي رأيتها وأوجعتني جداً.

رأيت شباباً أقوياء، يشعُّ النور من جباههم وعيونهم، مبتسمين متفائلين مطمئنين منتصرين، لكنهم لا يستطيعون الحركة والمشي، لأن أقدامهم تم بترها، والحروق تملأ ظهورهم وملامح وجوههم.

رأيت صبايا بعمر الورد. إحداهن مبتسمة قوية، وإحداهن كانت حزينة وابتسامتها تكاد تبكي، وأخرى كانت تتألم وتبكي بصوتٍ مكتوم، والدموع بعينيها تكاد تتساقط كالجمر.

جميع الفتيات الجريحات مُصابُهنَّ مؤلم وموجع ومحزن جداً.
- تقطع في الأرجل.
- تقطع في الشرايين.
- بتر في بعض أو كل أطراف الجسم.
- استئصال الطحال.
- تقطع في لحم الفخذ والقدمين.
- وأيادٍ وأقدام بلا عظم. يأخذون بعض العظام من أماكن في الجسم، لتتمَّ زراعتها في أماكن أخرى.

وبين كلِّ هذه الجراح والآلام التي كان يحاول أصحابها مُداراتها خلف نظرات بريئة وثغورٍ باسمة، كانت هناك صورةٌ جميلة جداً لطفلةٍ هي الأجمل.. "شهد": عمرها 4 أو 5 سنوات، معاقة منذ الولادة (كفيفة البصر)، أصيبت بصاروخ في منطقة الحوض، أدى إلى تهتك العظام. شهد تحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم، قرأت لنا بعض الآيات بصوتٍ عذبٍ جميل، مع أحكام التلاوة والتجويد .

ولمّا همّمنا بالخروج من غرفتها حتى يتسنى لها أن ترتاح. أصرت أن تقدم لنا واجب الضيافة، وذلك من علبة البسكويت الخاصة بها، والموجودة بخزانتها. أطعمتنا وهي فرحة مبتسمة، معتقدة أننا قمنا بمواساتها ورفع معنوياتها، مع أن الذي حدث هو العكس تماماً.
ومع أنها لا تقوى على الحركة، ولا حتى على الذهاب لدورة المياه وحدها، ألا أنها أخبرتنا وبصوت يملؤه الأمل والتفاؤل والسعادة: (أنا الأسبوع الجاي طالعه من المستشفى).

دعواتكم بالشفاء لشهد وأخواتها ومثيلاتها من الفتيات الجريحات، ولكلِّ الجرحى الموجودين في الأردن ومصر وتركيا وغزة. والرحمة والمغفرة للشهداء الأبرار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.