المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر الأطرش Headshot

نحنُ نهدم مزرعة لنبنيَ وطناً

تم النشر: تم التحديث:

لماذا ثرتمْ؟! السؤال الذي يبادرك به بعض "القومجيين" الذين يعيشون خارج التاريخ، وبعض "أفراخ" مشايخ السلطان، وكذلك حفنة من "شبيحة" الفكر وأعداء التغيير، يبدو بعد أكثر من خمس سنين من الموت والحياة والإصرار الثوري، يبدو أثقل على النفس من المصيبة بحد ذاتها..

فكأنهم يسألونك: لماذا تسعى إلى الحياة العزيزة الكريمة التي تليق بالإنسان، والتي شرعها الله له وجعلها حقاً لا مراء فيه، فقال في كتابه العزيز (ولقد كرّمنا بني آدم)، يتناسون أن الله قد خلق الإنسان على شرط الكرامة، ويعطون للحاكم المستبد الفرد حق استباحة ما منحه الله وساوى به بين الناس، هؤلاء القوم ليس مغرراً بهم كما يرى البعض، ربما كان بعضهم مأجوراً مرتزقاً.

إلا أن السمة العامة التي تجمعهم، هي أنهم موصومون بختم العبودية لا يستطيعون ولا يريدون انعتاقاً، أنفسهم استكانت واستقرت على الذل لا تبغي عنه حِولاً، ومن هنا صار المستبد قائداً، والظالم حازماً، والقاتل مقاوماً، له الأسماء الحسنى.. إنهم يعون ذلهم تماماً، وكي يكون الجميع متساوين في المذلة، لا بد من محاربة الكرامة وطلابها، فالذي لا يستطيع الخلاص والانعتاق ما من سبيل له إلا دعوة الناس إلى قفص المهانة..

ويستفيض السائل في سؤاله العبقري، لقد خربتم بيوتكم وهدمتم مدنكم وقتلتم أطفالكم... وهو يعلم علم اليقين أن المرحلة الراهنة هي التي أتاحت الأسئلة هذه، فلولا أن مولاهم شرد وأحرق ودمر وقتل شعباً بأسره، لما كان السؤال متاحاً..
ولكن.. وحتى بعد كل هذا، وبعد كل ما يمكن أن يكون من سليل الإجرام، تبقى إمكانية الجواب قائمة ناصعة بيّنة.. نحن نهدم مزرعة لنبني وطناً.

كان الوطن السوري قبل انقلاب البعث في عام 1963 وطناً حقاً، وكان أنموذجاً يُحتذى به في الديمقراطية والتطور الاقتصادي والتجربة الاجتماعية والثقافية.. كان للسوريين واحد من أهم برلمانات العالم وأكثرها ديمقراطية، كان لهم حكومات غير طائفية ولا عرقية ولا حزبية ولا مأجورة، كانت حكومات وطنية، وكان مبدأ المحاسبة فعالاً لدرجة أن صحيفة دمشقية كتبت في عنوانها الرئيسي في الخمسينات أن رئيس الحكومة شوهد يقود سيارته الرسمية بعد انتهاء دوامه الرسمي.. ولدرجة أن البرلمان رفض شراء سيارة لرئيس الجمهورية نظراً لامتلاكه سيارة خاصة واحدة!..

في تلك المرحلة السورية كانت الأحزاب كلها تنشط في الميدان، ولكل مجتهد نصيب، حتى في أصغر القرى كانت الحياة السياسية والحزبية مفعلة ومنظمة.

إلى أن جاء انقلاب البعث، فحجّم الطموحات والأحلام، وخوّن الأطراف كلها من أقصى اليمين إلى اليسار، ونصب نفسه حاكماً فرداً لا يأتيه الباطل، وكل من يكفر به فمصيره إلى القتل والتنكيل والتشرد.

وخلال أقل من عقدين كان الأسد "الأب" قد أحكم قبضته على البلاد تماماً، سوّرها بالظلم، وجعلها معتقلاً كبيراً، وبثَّ جنده من سياسيين واقتصاديين ومثقفين يسوقون لأفكار العبودية بالترغيب حيناً وبالترهيب أحياناً، حتى صارت قيم العبودية ناظمة لضمائر الكثير من الناس، ولعل أكثر ما كان يلفت ويوجع، هو أن الفساد استشرى لدرجة أن الأب كان يحث ابنه ويربيه على مبدأ "دبّر راسك"، أي ارتشِ واسرق ونافق وافعل كل ما يمكّنك من العيش في هذه المزرعة.

هاجر من استطاع الإفلات من قبضة الشر، وسُجن كثيرٌ من الثائرين لإنسانيتهم من كل الأطياف، والملايين التي بقيت من الناس داخل السور، بررت بقاءها وتعللت بأسباب كثيرة هي غير مؤمنة بها، ولكنها رغبة الحياة، وفطرة المتعضية بالقتال والتلون من أجل الاستمرار، إلا أن تلك الطبقات العفنة التي تراكمت، ما كانت لتلغي الأصل أو لتُنسيَ البذرة أصلها الطيب، فكانت البذرة على موعد مع إنتاش جديد، كانت تحمله في أحشائها وأحلامها لأربعين سنة خلت، ثم كانت الولادة التي تفتقتْ عن جنين ليس كالأجنة، فهو أيضاً كلم الناس في المهد، وشفى الذليل والمغلوب وأنطق الأخرس!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.