المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر الأطرش Headshot

استرزاق ثقافي

تم النشر: تم التحديث:

جاءوا إلى دول عربية مدججين بأحلام الثراء التي لم تجد لها موطئ قدم في ساحات السياسة.
"مبدعون" كانوا في كنف الديكتاتورية من المحظيين، إنما لم يتسنموا مناصب في الصف الأول تشبع رغباتهم وتكفي ليكونوا آمرين ناهين في المشهد.

قالوا: الثورة الشعبية فقيرة فكرياً وإبداعياً، إنها لسانحة لا يجود الدهر بمثلها.. نحن أيها "العالم الحر" أدباء الثورة ومنظروها والقيادة الواعية الحكيمة لهؤلاء المساكين، والناطقون المخمليون باسمهم واسمها..

ولمّا كان صوت الساحات ومغنيها، أعلى، وهتاف الضمائر أصدق وأرحب، تلاشى حلم السطو على الصوت، فانتقلوا مسرعين إلى الصورة يحاولون وُلوجها مرتدين الزيّ الأنسب لكل حفلة، من الظل إلى الضياء وما بينهما من تدرجات السياسة اللامنتيهة.. بعضهم وجد مكاناً واقتنع ظرفياً، على أنه سيكون محور الصورة في "الألبوم" القادم، وآخرون تابعوا سيرهم لاهثين، غير قاصدين مقاصد السوريين المنكوبين، العاديين، فهم فوق ما هو عادي سابقاً ولاحقاً!.. ولا يستوي المشهد إلا بقيادتهم وإخراجهم لتصوراته ومآلاته!.. ولكن العالم لا يزل يرى في رواية "ختيار" حمصي ما يثير ويدهش ويصور أكثر من كل ما أتوه من سحر البيان!!..

أعمى هذا العالم الذي لا يرانا.. قالوا..

المحاولات لا يمكن أن تستمر طويلاً، لديهم أحلام يجب إنجازها.. أخيراً وصل بعضهم إلى دول عربية، لم تقدهم الخطى على غير هدى.. كل شيء يبدو مدروساً، والكتب جاهزة ومُعدة للطباعة، والمقالات مكتوبة سلفاً حتى قبل قراءة المادة التي ستتناولها، المهم والكافي هو العنوان، وقد أتقنوا فنون صيده..

منذ شهرهم الأول في تلك البلاد تزينت الصحف بأسمائهم، وبعضها صحف غير مناصرة للثورة أو تدعي الحيادية في أحسن الأحوال، والمقالات لم تكن عن مكابدة الناس في بلادهم، ولا عن الثورة والشهداء وضحايا الجوع والخوف والاغتصاب، ولا حتى عن التاريخ الذي ذُبح.. وإلا لما لقوا إلا ما لقيناه من تجاهل وإنكار..

العناوين كانت تليق بتاريخهم "النضالي" والإنساني حقاً، وتعبر بلا مجازات أو إحالات عن حقيقة انتمائهم لأوهامهم وذواتهم وأناهم متجاهلين كل ما هو إنساني أو وطني أو أخلاقي..

لكن.. الذي عاش هناك على باب السلطان يقتات فتاته، لن يجيد غير هذه الصنعة أينما حل وارتحل.. شهران أو ثلاثة وربما أقل من ذلك، ومزيد من اللباقة "الذل"، ربما ستكفي لتدخل، وقبل أن تقرأ "قصيدتك" سيُرمى إليك عظمك، تحني رأسك، تلتقمه، وتخرج مُشبعاً بالمال، والذل، يخف وزنك، تتمنى أن تبتلعك الأرض، ولكنها تعاندك، تجعل خطواتك أثقل، وكأنك تحمل في يمينك ورقة نعيك، أو نعي إنسانك الذي لن يعود، فإنه يخجل من ارتداء صورة وجهك المُثقل بالهوان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.