المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر الأطرش Headshot

بكم اللاجئ السوري اليوم؟!

تم النشر: تم التحديث:

وهكذا.. أصبح اللاجئ السوري أكثر قيمة مما يظن، ليس لجهة أهمية شخصه أو كفاءاته أو نُبل قضيته، أبداً.. بل لجهة الاتجار به واستثماره في سوق السياسة؛ حيث غدا "السلعة" الأغلى، والأكثر قابلية للمزايدة، إنْ من يسار أو يمين، إسلامي أو مسيحي أو علماني.

اللاجئ السوري ساهم -عن غير علم ولا قصد ولا إرادة- بالانتخابات الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة، فكان الموقف منه على رأس الأجندات والدعايات الانتخابية للمرشحين الاثنين، فكان أن فاز من توعّد بطرده.

اللاجئ السوري حاضر بقوة في أجواء المهاترات والمناكفات بين الدول الكبرى، ترتفع أسهمه كلما زاد التوتر، فهو "السلعة" الأكثر رواجاً في المزاودة السياسية والأخلاقية، قل لي إذن كم لاجئاً استقبلت؟.. وفي هذا المضمار زاد عدد اللاجئين كثيراً عن إجمالي عدد السكان بسوريا، فلو جمعنا الأرقام الصادرة عن مسؤولين رسميين لوجدنا أن بلداناً كثيرة زعمت أنها استقبلت آلافاً مؤلفة من السوريين، وهي بالأساس لا يوجد فيها شيء اسمه قانون لجوء، ولا فيها -واقعياً- لاجئ سوري واحد!

وهكذا أصبح السوري المقيم منذ عقود بعقد عمل، لاجئاً، ناهيك عن آلاف العرب والأفارقة والآسيويين الذين صاروا سوريين بمجرد اتخاذ الطريق نفسه والنزول على الشواطئ نفسها واقتراف مغامرة "البلم" إياها.

واللاجئ السوري هو العنوان الوحيد في اجتماعات "مؤتمرات المانحين"؛ حيث يغيب السوريون ويحضر من "احتضنهم" ليطالب بالمصاريف.

اللاجئ السوري، أيضاً، هو رأسمال السياسيين ورجال الدين الناطقين باسمهم، كلما أرادوا الخوض في بحر الإنسانية والأخوّة، فهم يتقاسمون معه البنية التحتية واللقمة والموارد، في مثال رائع للتآخي الإنساني والديني والقومي، وما شئتم.

اللاجئ السوري هو الذي هوى بأسهم المرأة الحديدية، وصعّد أو أسهم في تصعيد أحزاب اليمين في كثير من الدول الأوروبية، وعلى لجوئه أسّست أحزاب وجماعات سياسية قد يكون لها دور في حكم بلدانها عما قريب.

اللاجئ السوري، وحده، هو من يتحمل البرد والقهر والحرمان، في مخيمات البؤس والترقب، يوقد حنينه ويكذب على أولاده في قصص ما قبل النوم، عن الرجوع القريب، يحدثهم عن طيبة جدهم وجدتهم.. يعدهم بما لا يملك، ويرسلهم إلى مدارس لا يؤمن بأنه يريدها لهم، وآخر يرسلهم إلى ورش العمل ليبيعوا حاضرهم ومستقبلهم بدراهم معدودة، تقيهم بعض شر الجوع والسؤال.

يراقب اللاجئ السوري "سعره" في "بورصة الإنسانية" يومياً، كم سيرتفع إن اختلفت دولتان، وكم سيهبط إن اتفقت دول؟!
وينسى كل آلامه أخيراً، ليسأل نفسه السؤال الأقسى، كيف تسببتُ في تلوث الهواء؟! هل أنا أتنفس بطريقة مختلفة عن البشر؟!.. ويعاتب زوجته: لماذا تركتِ الفحم الفاخر الذي وزعوه لنا وأحرقت أحذية الأطفال القديمة؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.