المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسر عبد الفتاح Headshot

على هامش الاتفاق النووي

تم النشر: تم التحديث:

وسط الضجيج الذي أحدثه توقيع الاتفاق النووي بين إيران ودول (5+1) في أوساط السياسيين والباحثين ووسائل الإعلام العربية أصبح من العسير على المرء تكوين صورة واضحة نسبيًّا عن اتفاق سيكون له ما بعده على مستوى الشرق الأوسط ككل. فمعظم التحليلات العربية أثارت النقع على الاتفاق وعدته تنازل من الولايات المتحدة لإيران وتسليم لها ليس في المجال النووي فحسب بل في معظم قضايا الشرق الأوسط وشئون المنطقة. بل وصل النزق بأحد الباحثين أن قال: إن الاتفاق الموقع غير ملزم لإيران والإجراءات المطلوبة منها (مثل وقف عمليات التخصيب والتخلص من أعداد معينة من أجهزة الطرد المركزي) هي إجراءات تفعلها إيران طوعًا اعتمادًا على ترجمته وفهمه لأحد النصوص في الاتفاق مما يشعر معه المرء أن الولايات المتحدة والدول الغربية هم مجموعة من السذج الذين استطاع المفاوضون الإيرانيون أن يخدعوهم.

ولا أدري هل غاب عن كل هؤلاء أن الولايات المتحدة والدول الأخري دول لها مصالحها وهي تسعى لتحقيق هذه المصالح بكل الوسائل وبأقل تكلفة؟ بل حتى روسيا نفسها والتي أعتقد أنها لن ترحب بوجود إيران نووية على حدودها الجنوبية بل كانت تسعى لتوقيع الاتفاق من أجل رفع العقوبات على إيران سعيًا منها للنفاذ إلى السوق الإيراني الكبير ولا مانع من مناكفة الغرب وتذكيره بمكانة روسيا الدولية وهو هاجس يؤرق بوتين والمجموعة الحاكمة في موسكو.

إلا إن كل هذا لا يمنع من ذكر بعض الملاحظات التي قد تكون مفيدة (من وجهة نظري على الأقل) بخصوص هذا الاتفاق:

1- الاتفاق حقق معظم الأهداف الأمريكية فيما يتعلق بتحجيم القدرات النووية الإيرانية وذلك لمدة 15 سنة على الأقل (ستتوقف عمليات التخصيب فوق مستوى 3.67% لمدو 15 سنة ولن تزيد الكمية المخصبة من اليوارنيوم فوق 300 كجم). ويخطيء من يظن أن واشنطن كانت تهدف للقضاء على القدرات النووية الإيرانية، فهذا لم يكن هدفًا لها خاصة وأن طهران وصلت لمرحلة متقدمة في برنامجها النووي يصعب معه القضاء عليه بالكلية (وهو جوهر دفاع كيري عن الاتفاق في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ) خاصة بعد الوصول لمرحلة الـ Know How التي تجعل مسألة بناء القدرات النووية مرة أخري (على فرض تدميرها بضربة عسكرية مثلًا) مسألة وقت لا غير.

2- الاستراتيجية الأمريكية للضغط على إيران للقبول بتحجيم القدرات النووية قامت على ساقين:
- العقوبات الاقتصادية التي وصلت لمستويات غير مسبوقة خاصة منذ عام 2012 عندما طالت القطاعات الحيوية في الاقتصاد الإيراني خاصة قطاع النفط (80% من الاقتصاد الإيراني) والقطاع المصرفي (المسئول عن التحويلات البنكية وتسوية التعاملات الخارجية للدولة) وتعد هي الأقصى في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية.
- استنزاف القدرات الإيرانية مستغلة التورط الإيراني في عدة جبهات في نفس الوقت في سورية والعراق واليمن، فواشنطن استغلت الاندفاع الإيراني في دعم بشار الأسد لاستنزاف القدرات الإيراني ماديًّا وعسكرياً (وكذلك الذراع الإيراني في لبنان المسمى بحزب الله) من خلال إطالة أمد الصراع، كذلك أعتقد أن التلكؤ الأمريكي في مواجهة داعش كان يهدف في شق منه للضغط على طهران فالتحرك العسكري تجاه داعش لم يبدأ إلا بعد إعدام الرهينتين الأمريكيتين وتحرك التنظيم تجاه إربيل، كما إن الضربات الجوية لم تؤدي إلى القضاء على التنظيم وإنما قيدت حركته فقط. ويمكن فهم التأييد الأمريكي لعملية "عاصفة الحزم" في اليمن في هذا السياق.

3- لا شك أن إيران ستستفيد من رفع العقوبات عليها، ولكن التهويل في أن ذلك سيطلق يدها في دعم حلفائها في المنطقة وسيؤدي إلى مزيد من التغلغل الإيراني يتناقض من الوضع المزري للاقتصاد الإيراني؛ مما يرجح أن الأموال المجمدة ستذهب غالبًا إلى إعادة الانتعاش إلى الاقتصاد الإيراني خاصة القطاعات التي تأثرت بالعقوبات بشدة، مثل قطاع النفط الحيوي. ويكفى أن نذكر تصريح محمد خوداكرامي القائم بأعمال رئيس هيئة الطيران المدني الإيرانية اليوم، أن طهران تخطط لشراء نحو 90 طائرة سنويًّا من شركتي بوينغ وإيرباص لتحديث أسطولها المتهالك بمجرد رفع العقوبات، هذا العدد تبلغ قيمته 20 مليار دولار. كل هذا سيجعل الدعم المقدم لحلفاء إيران في المنطقة أقل مما يتوقعه الكثيرون، خاصة وأن أسعار النفط حاليًّا في مستويات منخفضة ويتوقع أن تزداد انخفاضًا عند بدء إيران تصدير نفطها كل هذا سيقلل العوائد المتوقعة من هذا القطاع الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الإيراني.

4- لا شك أن الاتفاق سيكون له تأثير على مجمل قضايا المنطقة في ظل استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران حول عدد من القضايا إلا أن مواجهة تنظيم داعش هي أحد المسائل محل اتفاق بين الجانبين وأعتقد أن الحرب الحقيقة ضد هذا التنظيم ستبدأ. أما في المسألة السورية فأعتقد أن الدعم المقدم للمعارضة المسلحة سيزداد ردًّا على هذا الاتفاق خاصة وأن السعودية بدأت تشعر بأن عليها أن تأخذ زمام المبادرة تجاه التمدد الإيراني ومواجهته قبل أن تسعيد طهران عافيتها.

ولكن يبقى حجر الأساس لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة هو تحصين الدول العربية داخليًّا، فإيران لا تستطيع التمدد في مجتمعات متماسكة تحظى أنظمتها بالشرعية، وهو عين ما قاله أوباما لتوماس فريدمان (عقب توقيع اتفاق لوزان الإطاري مع إيران في إبريل الماضي) أنه يستطيع الالتزام بحماية دول الخليج من أي تهديدات خارجية ولكنه التهديدات الداخلية هي مسئوليتهم. لذا فالمصالحة مع الشعوب العربية وأخذ تطلعاتها في النهضة والتنمية والعدالة بعين الاعتبار هي الخطوة الأولى لضمان الأمن القومي العربي.. وإلا فلا نلم إلا أنفسنا.