المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسين طه محمد Headshot

كل الطرق في كردستان العراق تؤدي إلى طهران

تم النشر: تم التحديث:

جمّدت حكومة إقليم كردستان نتائج "استفتاء الاستقلال" الذي أًجري في الـ25 من سبتمبر/أيلول 2017 بعد 30 يوماً من إجرائه، رضوخاً للهزات القوية التي تعرضت لها من قبل الحكومة المركزية في بغداد، وتحت تأثير كل من الضغوطات الإيرانية والتركية.

منذ ذلك الحين أطلق قادة الحكومة الكردية دعوات للحوار من أجل الانخراط مجدداً في الدولة العراقية على أساس دستور 2005، إلا أن هذه النداءات المتكررة التي بلغت نحو 30 مرّة، وكذلك الظروف التي عُدت فرصة ذهبية لإنهاء خلافات وقضايا عالقة عصت على الحل منذ سنوات، لم تؤدّ إلى كسر الحاجز النفسي لقبول بغداد بإطلاق الحوار، وعقد لقاءات ثنائية عالية المستوى، إلا بعد أن قررت طهران فتح صفحة جديدة مع كردستان بعد إعلانهم العودة إلى حضن بغداد.

رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، ينفي على الدوام وجود وصاية إقليمية على القرار العراقي، وآخر تلك التأكيدات قاله في دافوس؛ حيث رد على سؤال حول نسبة تأثير طهران على قرارات وسياسات بلاده، بأنها "صفر ـ Zero".

لكن الواقع والمعطيات على الأرض تقول خلاف ذلك؛ حيث تمتلك طهران شبكة واسعة ومعقدة من النفوذ والأوراق في العراق، إضافة إلى مفاتيح وأدوات المشاركة في صياغة القرارات الاستراتيجية عبر قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، الذي يحل ضيفاً على البلاد في كل منعطف، آخره أثناء تشكيل التحالفات الانتخابية وفق تصريحات لنواب شيعة بينهم حنان الفتلاوي، وكذلك عبر السفارة الإيرانية في بغداد وقنصلياتها المنتشرة في محافظات البصرة والنجف وكربلاء وأربيل والسليمانية، والتي تدار من قِبَل جهاز الحرس الثوري؛ حيث مثّل طهران ثلاثة من قادة هذه المؤسسة التابعة للمرشد علي خامنئي، (حسن قمي، دانايي فر، ايرج مسجدي).

وإيران الغاضبة من الكرد التي لم تتردد في الوقوف ضد مساعيهم للاستقلال، استثمرت بسرعة فائقة الخيبة الكردية من أميركا ومن الشعور الكردي العارم بالخذلان، حيث فتحت أبواب قصورها السيادية لنيجيرفان بارزاني ونائبه في الاتحاد قوباد طالباني، وطرحت المساعدة في تذليل العقبات التي تعترض حوار الإقليم مع المركز، في خطوة تهدف لإثبات نفوذها الراسخ والقوي على طرفي الأزمة من جانب، ولدقّ إسفين بين علاقات الكرد بأميركا ومحاولة إضعاف نفوذ واشنطن عليهم قدر الإمكان، خاصة أن كردستان تمتلك حدوداً جبلية وعرة مع إيران، وتشكل خاصرة أمنية لها، وامتداداً قومياً لمواطنيها الكرد الذين شاركوا مؤخراً بشكل لافت في موجة الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد وتدخلت أميركا لاستغلالها.

بالنسبة للساسة الكرد في العراق، تمثل الاستدارة نحو طهران خياراً اضطرارياً في الوقت الحالي، لكن لا يُستبعد أن يتحول هذا إلى قرار استراتيجي في المستقبل، وذلك بعد تجربة الأكراد المريرة مع محاولة الاستقلال، وفشل الآمال بالحصول على ما طمحوا إليه من دعم الولايات المتحدة لهم؛ حيث لم تُحرك ساكناً حينما داهمت قوات الحشد الشعبي على ظهر الدبابات الأميركية "قدس الكرد" كركوك، وتفاخر زعيم "عصائب أهل الحق"، قيس الخزعلي، بأن "أربيل على مرمى حجر".

كما تمتلك إيران القدرة على ضبط مواقف الكتل والأحزاب العراقية الموالية لها تجاه الكرد، والتي دأبت على الوقوف بوجه محاولات انفتاح حكومة بغداد على أربيل باعتبار أن "سياساتهم جزء من المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة وتهدف إلى تقسيم العراق"، كما يردد سياسيون عراقيون.

بالإضافة إلى هذا، فإن حكومة العبادي حققت إنجاز السيطرة على خطر التقسيم والاستفتاء بدعم مباشر من إيران، عبر فرض الحصار وعبر أذرعها في الحشد الشعبي والمقربين منها داخل كردستان، ويستصعب عليها رد مطالب طهران في حال توسطها بين الطرفين.

فضلاً عن ذلك، يعتقد الكثير من الكرد أن التفاوض مع الأصيل (طهران)، أفضل من الوكيل (حكومة بغداد)، وأن أميركا غير مضمونة، خاصة في ظل الانكفاء الأميركي عن دعم السياسات الكردية.

لقد خبر الكرد التخلي الأميركي سابقاً ويرونه في عفرين الآن، لكن إيران جارة باقية متغلغلة في الجسد العراقي منذ 2003 بشكل مدروس، ولا سبيل أمام الأكراد سوى التكيف معها، خاصة بعد تنافس القوى الأساسية في الحشد الشعبي، والموالي لطهران حيدر العبادي، على موقع رئاسة الحكومة، الربيع المقبل، عبر قائمة "الفتح".

وحتى في حال عدم حصول تلك القوى الموالية لطهران على كرسي الحكم، إلا أنه من المرجح أن تشارك بقوة في رسم الخارطة السياسية العراقية المقبلة، بمساندة باقي الحلفاء وأصدقاء إيران التقليديين في النجف وبغداد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.