المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يقين حسّان Headshot

فلنحب وظيفة "المعلم" أو فلنتركها

تم النشر: تم التحديث:

إنّنا في العام 2015 ونعلم كثيراً كيف اختلفت عملية "التعليم والتدريس" عن سابق العقود، قد لا نتّفق جميعاً على كلّ المتغيّرات -سلباً أو إيجاباً- لكننا حتماً نُقرّ بأن التغيير حاصل.
في أوّل تجربة لي في العمل كـ (معلمة للغة الإنجليزية) وأول تجربة في الاحتفال بيوم المعلم، وهذه أول مرّة أعيش يوماً يخصّني ويعني لي الكثير، هو ليس يوماً/عيداً واحداً في العام فقط فنحن المعلّم في كل يوم وفي كل حصّة نشارك بها طلبتنا، لكن في هذا اليوم لندعْ الوظيفة جانباً ولننظر إلى ما وراءها، قد لا يكترث كلّ معلّم بما سيقرأ هنا على عكس المعلّم الرساليّ المسؤول الذي يفهم دوره ويَعيه حقّاً في إعداد الأجيال علماً وعملاً وتعاملاً.

لو أردنا أنّ نرسم صورةً لمفهوم "الوظيفة" الذي تشكّل في ذهننا على مرّ السنوات السابقة فسيتّخذ شكل الروتين والممارسة اليومية لمهنة ما بشكل تقليدي أو كما يُملى عليّ من ربّ العمل وفي الغالب سيكون الدافع للحضور اليومي دافعاً مادّياً بحتاً أي أنّ الذهاب للوظيفة قد يكون لأجل مسمّى وظيفيّ أو لسدّ الاحتياجات الشخصيّة من خلال الراتب المدفوع وهذا ليس بالشيء الخاطئ لكن حتماً هذا ليس كل شيء نريده ونسعى له من خلال الوظيفة، والعمل في سِلك التعليم والتدريس يتطلب من المعلّم أن يدعْ هذه الصورة النمطية جانباً لأنه يستطيع أن يمضي أيامه بهذا الشكل الرتيب فالمعلّم لا يتعامل مع مخططات وبنايات وبرمجيّات كالمهندس ولا يُقلّم الأشجار كالمُزارع ولا يأتيه المرضى طلباً للتحكيم كالطبيب إنه المعلّم الذي يتعامل مع "الإنسان" ليُهيّئ له الطريق وليُساهم في تَنشئته طفلاً وفي إعداده شابّاً، إذن فلا يليقُ بالمعلّم الرساليّ أن ينظر لرسالة المعلّم كوظيفة عادية فلا بُدّ أن يكون راغباً بما يعمل مُحبّاً لمن يعمل معهم ولأجلهم، كلّنا نعلم أنّ من معايير اختيار الطالب لمجال تخصصه الدراسيّ أن يكون راغباً فيه مُحبّاً له وهذا بلا شك ما ينبغي أن يؤمن به من أراد أن يكون "التعليم" مجالاً لعمله مستقبلاً..

والحبّ لا يكون بأن تحبّ ما تعمل فحَسبْ، بل أن تجسّد الحبّ في كل فعل تقوم به وفي كل قول تقوله وأن تُلقي ذلك الحُبّ على طلبتك وأن تخبرهم بذلك في كلّ يوم، فأن تخبر طلابك بأنك تُحبّهم سيغيّر شكل التعامل والنظرة لك كمعلّم وصديق لهم، وبدورك هذا ستتخلّى عن مفهوم الوظيفة لتُدرك ما وراءها وتعيشه بتفاصيله.

في كلّ يوم من بداية عملي وأنا أقول لطلبتي: I Love You ومؤخراً عند تصحيح الأوراق لهم أكتب: I Love You وفي كلّ مرة أُراقب نظراتهم وردّات فِعلهم، عندما أقولها كانوا يشعرون بالخجل في الأيام الأولى.. لكن عندما كتبتها لهم: كانت نظراتهم مليئة بالدَهشة وبدأوا يتناقلون فيما بينهم: "ياي، مس يقين بتحبني وأعطتني sweet..شوف شو كتبت" رغم أنني كتبت للجميع ذات العبارة وأعطيتهم ذات ال"sweet" لكن كانت لكل منهم دهشته في التعبير أو في إيماءات الوجه، حتى أنّني في نهاية الحصة وجدت في ملفّي الخاص 7 قصاصات ورق عليها الكثير من عبارات الحبّ والامتنان لما قمتُ به.

بعد ردّة فعل طلابي في هذا الموقف والكثير من المواقف المشابهة له، أقول: يا الله كم أنّنا نعاني من شُحّ في الحبّ وتبادل المحبّة في مجتمعاتنا الكبيرة وحتّى الصغيرة كالبيت والمدرسة.
وأتساءل.. ما الذي يمنعنا من التعامل بمحبّة مع الطلاب؟ وكيف ستكون صورة الطلبة عن مُعلّمهم الغليظ دوماً؟
أذكر وأنا طالبة في المرحلة الأساسية كانت إذا دخلت علينا معلّمة غاضبة وهي تصرخ في ساعات الصباح كان أول ما تتناقله البنات في الصفّ هو أنّ هذه المعلّمة إمّا "حرقت الطبخة قبل ما تأتي للدوام" أو أنّ "زوجها عنّفها وتخانق معها" لذلك هي دائماً غاضبة بهذا الشكل.
شخصياً لا أتخيّل كيف أن معلّماً يُساهم هو بنفسه في بناء هكذا صورة في مخيّلة طلابه وبالذات الأطفال منهم، ولا أتخيّل كيف يمكن للمعلّم أن يُمارس مهنته من دون حبّ رغم أن هذا الأمر مقدور عليه وجدانيّاً فالمحبّة ليست مادّة لنبخل على الآخرين بها، وإن تبادل المحبّة مع الطلبة يهوّن علينا كثيراً ويربِتُ على قلوبنا. قبل أيام معدودةٍ توفّى والدي وتغيّبت عن طلبتي في المدرسة ثلاثة أيام وظننتُ أنني لن أكمل مشواري في العمل الذي أُحبّ مع طلبتي الذين أحبّهم، إلاّ أنني قرّرت أن أذهب للمدرسة في أول حصة لهم اعتذرت عن الغياب الطويل وأعلمْتهم بسبب تغّيبي ودعوْنا لوالدي المتوفّى معاً وكان هذا لمدة لا تتجاوز ال 10 دقائق وبعدها عدتُ كما أنا وبتفاعلي السابق معهم بل وأكثر، وفعلاً كم أنّ رؤيتهم تهوّن عليّ الكثير، وقد لا يعلم طلبتي كم يمنحوني الحبّ والقوة في كل يوم نتدارس فيه اللغة ونتبادل العلم معاً والأهمّ من ذلك أننا نتشارك المحبّة في كل يوم، في يوم المعلّم أُتمّم شهراً وبضعة أيام في مهنة التعليم أكره التعليمات والإجراءات الإدارية ولا أحبّ التواجد في غرفة المعلّمات كثيراً، لكن حتّى اليوم وفي كل يوم أدخل على الصفّ وأشعر بأنني أدخل إلى مملكتي، شهر ويزيد ولم أدخل الغرفة الصفّية إلاّ بحُبّ كثير..

قد يبدو الكلام عن تجربتي كلاماً مثالياً ورديّاً وقد يكون كلاماً عابراً لأيّ معلّم أو قارئ، لكنّه كلام يُلامس عُمق كلّ معلّم رساليّ، وليست الرساليّة بالأقوال والأفعال وحَسبْ وإنّما الرساليّة أسلوب حياة لمن ارتضى ذلك.

ونعلم أن كلّ معلّم يسعى لأن يكون مُلخصاً في عمله وعطاء علمه، لكنّ الإخلاص لا يتحقّق إلاّ بالحُبّ، فالحبّ شرط للإخلاص.. حتّى الحبيب لن يكون مُخلصاً ما لم يكنُ مُحبّاً.
وفي يوم المعلّم وفي كل يوم: "Love It Or Leave It"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.