المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.يحيى أحمد المرهبي Headshot

ليسوا سواء.. بعيداً عن التعميمات الجائرة

تم النشر: تم التحديث:

عندما يتابع الواحد منا مواقع التواصل الاجتماعي أو المواقع والقنوات الإخبارية يجد استخداماً مفرطاً للألفاظ التعميمية والأحكام المسبقة، فما أكثر ما تجد مثل هذه الألفاظ "جميع" و"كافة" و"كل" كثيرة التداول على ألسنة كثير من الناس، وفي كثير من كتاباتهم، وأغلبية هذه التعميمات قد تكون جائرة وغير حقيقية ولا منصفة، ولا تسندها أي حقائق أو وثائق أو أدلة، إنما هي أحكام مسبقة وتعميمات مستقاة من واقع لم يعد فيه أي ضوابط أو قيود.

وعند استخدام عبارات كالتي ذكرت سابقاً يتطلب أن يكون لدى قائلها أو كاتبها من اليقين بصحتها وعدم تطرق الشك إليها من سبيل، كما أن لديه من الدلائل والحقائق والوثائق ما يثبت هذا التعميم أو الحكم المسبق، وإلا صار تعميمه ادِّعاءً واتهامه لغيره باطلاً.

وكم نسمع أو نقرأ أن "جميع" أو "كافة " أو "كل" اتباع هذا التيار أو الجماعة أو المذهب أو الحزب أو البلد أو الديانة أو الحضارة أو... ليسوا على شيء، وأنهم سيئون وعلى معتقد أو مذهب أو طريقة باطلة، هذا في حال الذم.

أما في حال المدح فـ"جميع" أو "كافة" أو "كل" اتباع هذا التيار أو الجماعة أو المذهب أو الحزب أو البلد أو الديانة أو الحضارة أو... على الحق المبين، وأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وأن معتقدهم أو مذهبهم أو طريقتهم هي الحق الذي ما سواه باطل، هكذا على نوع من التعميم والإجمال، ولو كان هناك تفصيل وشرح لهان الأمر.


لقد علَّمنا القرآن استراتيجية التعامل مع الآخرين، قريبين كانوا أو بعيدين، فأتت القاعدة القرآنية لتقول لنا: إياكم والتعميم، فالآخرون مهما كانوا "ليسوا سواء..."، كما استخدم القرآن خطاب التفصيل والتخصيص في تقييمه للآخرين، فكان النص القرآني يستخدم لفظ "منهم" في كثير من أحكامه على الآخرين سواء كانوا قريبين أو بعيدين، فنجده يقول: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني"، "ومنهم من عاهد الله"، "ومنهم الذين يقولون هو أُذُن"، "ومنهم..." وحتى مع من هم مسلمون قال عنهم: "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات"، والشواهد القرآنية كثيرة بحيث يصعب حصرها في هذا المقال.

وهناك كثيرون يعتقدون أن التعميمات والأحكام المسبقة والجاهزة سهلة، نعم هي سهلة في اللفظ والخروج من صعوبة التفصيل والتخصيص، ولكنها تخفي وراءها ظلماً لمن أطلقها وظلماً لمن أُطلقت عليه، أما الجور الذي يتحمله قائلها فإنه قد عمَّم وأصدر حكماً دون حيثيات صادقة وتحمَّل وزر ما قال، وهو أيضاً يخسر من ناحيتين:

الأولى: أنه بتعميمه قد صنع له أعداء ما كان لهم أن يكونوا كذلك لولا أنه عمّم ذلك عليهم وتعامل معهم على هذا الأساس، والثاني: أن تعميمه هذا قد يحرمه أي خير أو صواب لدى الآخر؛ لأن تعميمه قد سلبه ذلك سلفاً.

أما الجور والظلم اللذان يقعان على من أُطلق عليهم التعميم والحكم المسبق؛ فالأولى: أنهم قد اتُهموا بتهمة، بعضهم منها بريء، وإن كان بعض من بني قومهم أو مذهبهم أو ديانتهم واقعون فيها، وأنهم كأبرياء لا يعنيهم جرم غيرهم، وربنا يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى".

والثانية: أن هؤلاء المتهمين (بحكم التعميم)، ووفقاً للحكم المسبق الجاهز الذي صدر بحقهم، يصبح لزاماً عليهم في الغالب أن يقفوا مع بني قومهم أو مذهبهم أو جماعتهم... سواء كانوا محقين أو مبطلين، كما نقول في أمثالنا: "بين إخوتك مخطئ ولا وحدك مصيب"، وفي هذا دفعٌ لمن لا يريد أن يكون عدواً أن يكون عدواً وخصماً رغماً عنه.

لماذا لا يتم التعامل مع الآخرين بالسياسة اليوسفية التي ذكرتها سورة يوسف في قوله تعالى على لسان يوسف عليه الصلاة والسلام: "قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون"؟

لماذا لا يتم التعامل مع العدو والخصم بالتجزئة والتبعيض (مأخوذة من بعض ) لا بالجملة، وبالتفصيل لا بالإجمال والتعميم؛ حتى يؤخذ المجرم والمتهم بجريرته وحده فقط "من وجدنا متاعنا عنده" حتى لا نكون من الظالمين؟

إن الخروج من "جميع" و"كافة" و"كل" إلى فضاء التفصيل والتجزئة والإنصاف والموضوعية يحتاج إلى تجرُّد صادق وعدم وضع كل البيض في سلة كما يقال، ففي كل خير شر، وفي كل شر خير، وبين الأشرار أخيار وبين الأخيار أشرار... وليس هناك خير مطلق أو شر مطلق.

وهناك ألفاظ وعبارات تُخرج المنصف من ظلمة ووحشة التعميمات والأحكام المسبقة (جميعهم كذابون، الغرب كلهم متآمرون علينا، اليهود والنصارى عنصريون، المسلمون كافة إرهابيون كما يقول متشددو الطرف الآخر، وغيرها من التعميمات...) إلى فضاء البحث والتخصص العلمي والإنصاف والموضوعية من أمثال ألفاظ (من الناس، أغلب أصحاب هذا الاتجاه ، أكثر القائلين بهذا الرأي، على وجه التقريب وهكذا...).

ونُذكّر في النهاية بحديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه الذي يحذِّر فيه من كارثة التعميمات وخطورتها بقوله: "من قال هلك الناس فهو أهلَكهم".

نعم... سنقولها عن صدق ويقين "ليسوا سواء..."، وإن كان صوت التعميمات والأحكام المسبقة الجائرة هو الأعلى صوتاً والأكثر انتشاراً.

اللهم ارزقنا الإنصاف في القول والفعل، مع القريب والبعيد والعدو والصديق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.