المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.يحيى أحمد المرهبي Headshot

قوة التسامح.. يمكن أن تصبح ضعفاً

تم النشر: تم التحديث:

في أحيان كثيرة تفقد بعض الألفاظ مدلولاتها، ويصبح استخدامها لمجرد ذر الرماد في العيون ليس إلَّا، وكثيراً ما يتم استخدام هذه الألفاظ لإخفاء وتمرير جرائم يندى لها الجبين.

فمثلاً، عندما تُطالَب بالسلام مع كيان يحتل أرضك وينتهك سيادة بلدك، وينهب ثروتك، هل يمكن أن تسمي هذا سلاماً؟! إنه بالنسبة له سلام؛ لأنه يضمن له استعمارك وانتهاك سيادة بلدك ونهب ثروتك، أما بالنسبة لكَ فلا يمكن أن يسمى مثل هذا سلاماً.

وخذ مثالاً آخر، التسامح، الذي يتبدَّى بعد كل جريمة، وكل نهب لثروات الشعوب، فيقال لك بعد حدوث ذلك: لا بد أن يكون قلبك كبيراً ومتسامحاً، ولا بد أن تظهر الجانب المشرق من دينك الذي يدعو إلى العفو والتسامح، وهكذا يريدونك أن تعطيهم (شيكاً على بياض)؛ ليواصلوا جرائمهم ونهبهم دون خوف من أي جريرة قد تلحق بهم في المستقبل، ولأنهم يعرفون أنك تحمل قلباً كبيراً ورحيماً، ولديك ذاكرة (مخرومة) لا تحتفظ بشيء؛ لذا فهم على يقين أنك ستسامحهم وتعفو عنهم.

التسامح -يا سادة يا كرام- جاء ليكون قطعاً لدابر الجريمة المتسلسلة التي تحتاج إلى من يكسرها بالتسامح؛ لتبدأ الحياة من جديد، من خلال صفحة جديدة (تجبُّ ما قبلها)، وليس منح المجرم والناهب فرصة أخرى لمواصلة جريمته ونهبه، فالهدف الأسمى من التسامح هو قطع دابر الجريمة، ومنع تكرارها، لا مدها بالحياة والاستمرار.

لقد حدَّ الإسلام حدوداً لبعض الجرائم في (النفس والعرض والمال)، وطالب بتنفيذها ولم يتسامح فيها، على الرغم من علمه أن قتل القاتل لن يعيد الحياة إلى المقتول، وأن قطع يد السارق قد لا يعيد الأشياء المسروقة، وأن جَلد الزاني أو القاذف للأعراض قد لا يرجع السمعة الحسنة إلى سابق عهدها، وكذلك الحال مع بقية الحدود، الإسلام يدرك ذلك كله، ولكنه مع ذلك يطالب المجتمع بتنفيذ هذه العقوبات على مَن ثبتت عليه، وعلى مرأى ومسمع من الناس؛ ليذوق الظالم وبال أمره، ويأخذ المظلوم حقه من الظالم، وليس هذا فحسب؛ بل هناك هدف لم يفطن له دعاة (التسامح الساذج)، ألا وهو تحصين المجتمع من عملية استمرار وتواصل هذه الجرائم، وردعاً لمن تسوِّل له نفسُه العبثَ بأمن المجتمع واستقراره وثروته، وأن المجتمع سيقف له بالمرصاد، ولن يتسامح معه.

كما أن من العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض أن يأخذ المظلوم حقَّه من الظالم، وأن يعاقب الظالم جزاء ما اقترفت يداه، وهذا هو الأصل، كما قال ربنا -جل وعلا- على لسان "ذو القرنين": (وأما مَن ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً)، يأتي التسامح هنا ليكون استثناءً من هذا الأصل، وهو حق أصيل للمظلوم يمكنه أن يمضيه، وهنا يجري القانون مجراه الطبيعي: (ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً)، أو يتنازل عنه ويسامح محققاً بذلك أمرين اثنين؛ الأول: التفضّل على صاحب الجريمة بالعفو عنه، والثاني: يعتبر شرطاً للأول بتغير الحال بعد العفو وتوقف الجريمة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)، فمَن غلب على ظنه صلاح الحال لما بعد العفو كان عليه أن يجنح للتسامح وإلَّا فلا.

والعجيب الغريب أن الغرب والشرق الذين يحثهم دينهم على التسامح (مَن ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضاً، ومَن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضاً) لا يتسامحون مع غيرهم لا في الكبيرة ولا في الصغيرة، ومستعدون أن يشنوا حرباً لا هوادة فيها إذا اختطِف أو قُتل أحد مواطنيهم، أو أحسّوا أن هناك قوة في العالم الثالث (وخاصة العربي أو الإسلامي) ستقول لهم لا، مستعدون أن يقتلوا الآلاف إن لم يكن الملايين، وما الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي، والبريطاني في مصر واليمن والهند، والإيطالي في ليبيا، والأميركي في فيتنام وأفغانستان والعراق، والروسي في سوريا، وقبله السوفييتي في الدول الإسلامية التي كانت تحت سيطرته عنا ببعيد.

ما الذي فعله دعاة السلام والتسامح في العراق وأفغانستان والصومال وسوريا واليمن وقبل ذلك فلسطين والبوسنة والهرسك، حتى الدول التي لم يشنوا عليها حرباً ابتزوها بطرق أخرى (دول الخليج نموذجاً)، وخاصة السعودية التي اتهمت بمشاركة بعض مواطنيها في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وصدر القرار الأميركي بعد خمسة عشر عاماً (قانون جاستا) الذي يقضي بتعويض المتضررين من هذا الحادث.

والغرب يدرك أهمية أن تأخذ العدالة مجراها في بلدانهم (فقط)، ولذلك فهم لا يتسامحون مع من يقتلهم أو يسرقهم حتى من أبناء جلدتهم ومهما كانت مكانته (رئيساً أو وزيراً)، وما محاكمات وسجن بعض الوزراء والمسؤولين إلا شاهد على ذلك، وقد فعل مثلهم اليهود في فلسطين المحتلة مع رئيس وزرائهم (ألمرت)، ولذلك تجد المسؤول لديهم يفكر ألف مرة قبل أن يتجرأ على الفساد والإفساد.

والغرب والشرق يدركون أيضاً أننا أمة عندها من سعة الصدر والعفو والصفح والتسامح ما يتسع لجرائمهم وانتهاكاتهم لسيادتنا ولإنسانية الإنسان لدينا ونهب ثرواتنا، كما يدركون أننا شعوب بذاكرة (مخرومة) سريعاً ما (تسامح وتنسى)؛ لذا فقد أغراهم ذلك على شن الحروب علينا وتدمير مدننا وانتهاك سيادتنا ونهب ثرواتنا؛ لأن القانون الذي نتعامل به معهم هو أن الجرائم (تسقط بالتقادم)، أما قانونهم معنا فالجرائم (لا تسقط بالتقادم)، وإذا حدث وتسامحوا (ونادراً ما يحدث ذلك)، فإنهم لا ينسون ولديهم ذاكرة طويلة الأجل تحتفظ بأي شيء، ويمكنهم استدعاءها في أي لحظة.

أخي القارئ الكريم.. آمل ألا تفهم من خلال مقالي هذا أنني ضد السلام والتسامح - حاشا وكلّا - أنا مع السلام وأدعو له، ولكن ليس السلام الذي يسلبك نفسك وعرضك وأرضك ثم يقول لك اجنح للسلام، وأحب التسامح ورغِّبُ فيه، ولكن ليس التسامح الذي يمدُّ في عمر الجريمة والمجرم لتتواصل جرائمه وتستمر، وليس التسامح الساذج الذي يُعطَى من خلاله قتلة الشعوب وناهبو الثروات حصانة مستقبلية بأن لا يمسهم أحد بسوء ولن تطالهم يد العدالة.

بإمكانك أن تجنح للسلام شريطة أن تكون آمناً على حياتك وعِرضك وحقوقك وثروتك، كما أن بإمكانك أن تسامح شريطة أن تكون آخر مظلوم وآخر منهوب، أما غير ذلك فنحن نعيش في (وَهْم) اسمه السلام، وفي (سذاجة) اسمها التسامح.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.