المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يحيى الكبيسي Headshot

عندما يتم تجفيف الاحتياطي النقدي في العراق بصمت!

تم النشر: تم التحديث:

ظلت العلاقة بين الحكومة العراقية (هنا، نستخدم عبارة الحكومة العراقية تجوزاً فقط؛ بسبب احتكار رئيس مجلس الوزراء القرار الحكومي، في تواطؤ جماعي معلن)، والبنك المركزي العراقي، محكومة بطبيعة الذهنيات التي تحملها النخب السياسية العراقية، وليس ما يحدده الدستور أو القانون.

تحديداً، بسبب الاستقلالية العالية التي منحها القانون للبنك المركزي، والذي منع الحكومة من التدخل في عمل البنك بشكل مطلق (المادة 2)، فضلاً عن المادة التي تتعلق بحظر إقراض الحكومة (المادة 26). وقد واجهت هذه العلاقة تحديها الأبرز في نهاية عام 2012، عندما تواطأت السلطة التشريعية، ممثلة بمجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي؛ للإطاحة بمحافظ البنك المركزي العراقي، حينها، الدكتور سنان الشبيبي. وقد وصل الأمر إلى إصدار مذكرة إلقاء قبض بحقه، مخالفين بذلك قانون البنك المركزي العراقي نفسه الذي يعطي "حصانة قانونية" لأعضاء مجلس إدارة البنك من التعرض للمساءلة القانونية (المادة 23)، كما أنه ينص على أنه لا يمكن إقالة محافظ البنك المركزي إلا في 9 حالات فقط (المادة 14)، لم يتحقق أي منها!

وقد كتبت أنا شخصياً عن ذلك حينها، وقلت إن الإطاحة بمحافظ البنك المركزي كانت مرتبطة برفض الشبيبي «استخدام» الحكومة الاحتياطي النقدي من أجل تغطية العجز في الموازنة الاتحادية؛ فقد اعترف رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي، حين أجاب عن بعض الأسئلة في سياق نافذة التواصل مع وسائل الإعلام بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، بأن ثمة «اختلافات كثيرة مع إدارة البنك المركزي ولدينا ملاحظات جدية حول الكثير من نشاطه والسياسة النقدية وغير ذلك».

وهذا الصراع كان قد بدأ منذ نهاية عام 2008، حين حاول المالكي التدخل في الإجراءات التي يعتمدها البنك المركزي، تحديداً فيما يتعلق بتمويل الاحتياطي النقدي لعجز الموازنة، وكان ذلك جزءاً من نهجه في احتواء الهيئات المستقلة والسيطرة عليها حينها. وعندما نجح المالكي في استصدار قرار «مسيّس» مخالف للدستور من المحكمة الاتحادية (القرار 88 في 18 يناير/كانون الثاني 2011)، والذي منح مجلس الوزراء (= رئيس مجلس الوزراء) سلطة الإشراف على الهيئات المستقلة، وبشكل خاصٍ البنك المركزي حيث قررت المحكمة الاتحادية أن مرجعية البنك المركزية هي مجلس الوزراء، وأنه مسؤول أمامه شأنه شأن أي وزارة!

وبذلك، استطاع المالكي أن يفرض سلطته على البنك المركزي، وبتاريخ 15 مارس/آذار 2012 بعث بكتاب إلى محافظ البنك المركزي العراقي، يطالبه فيه بـ"تقديم السياسة النقدية للبنك المركزي إلى مجلس الوزراء؛ لإطلاع المجلس عليها وإقرارها"، ثم أوعز للبنك بعدم اعتماد سياسات دون إقرارها من مجلس الوزراء مستقبلاً، مخالفاً بذلك قانون البنك المركزي النافذ، الذي أعطى للبنك المركزي، حصراً، صلاحية تحديد السياسة النقدية (المادة 4 من أمر سلطة الائتلاف رقم 56 لسنة 2004)، وهو القانون الذي يمنح البنك استقلالية عن تلقي تعليمات من أي جهة، بما فيها الجهات الحكومية (المادة 2). وبدا في حينها، ومن سياق الأحداث، أن رفض محافظ البنك المركزي هذا الطلب كان السبب الرئيسي في الإطاحة به، بعيداً عن الإخراج المسرحي لعملية الإطاحة.

اليوم، يحصد العراق نتائج هذا التدخل، بانخفاض الاحتياطي الرسمي من النقد الأجنبي بمقدار النصف خلال أقل من 4 سنوات! فتبعاً لأرقام البنك المركزي العراقي، بلغ الاحتياطي في عام 2012 نحو 73.1 مليار دولار، ارتفع في 2013 إلى 81.6 مليار دولار، وهو أعلى مستوى وصل له، لينخفض في نهاية 2014 إلى 69.9 مليار دولار، ثم واصل انخفاضه بشكل حاد ليصل إلى 53 مليار دولار نهاية عام 2015.

لم يعلن البنك المركزي، حتى اللحظة، حجم الاحتياطي في نهاية 2016. لكن مذكرة مرسَلة إلى صندوق النقد الدولي، بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2016، موقعة من هوشيار زيباري وزير المالية وعلي العلاق محافظ البنك المركزي، تشير إلى أن الأزمة التي يمر بها العراق، فضلاً عن صدمة انخفاض أسعار النفط، قد تسببتا في «تجفيف» احتياطي العراق من العملات الأجنبية والنقد الأجنبي. وتشير المذكرة إلى أن تمويل العجز سيتم، في جزء كبير منه، من خلال سحب مبالغ كبيرة من الاحتياطيات الرسمية للعملة الأجنبية"، وأن هذا قد يخفض إجمالي الاحتياطي الرسمي من العملة الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي من 51 مليار دولار حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2015. إلى 43 مليار دولار نهاية 2016.

والطريف في الموضوع، أن المذكرة تُفرط في تفاؤلها بشأن ارتفاع أسعار النفط في عام 2017. ويذكرنا ذلك بالتأكيدات التي كان يطلقها أعضاء الحكومة العراقية السابقة باستحالة انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 100 دولار! لتشير إلى توقعات بأن يعاود هذا الاحتياطي ارتفاعه «بسبب ارتفاع إيرادات النفط»، ليصبح 48 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2017.

بعيداً عن هذا التفاؤل العراقي المفرط، أشار تقرير صندوق النقد الدولي، بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2016، إلى أن الحكومة العراقية استخدمت 13 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبية الرسمية عام 2015، لينخفض هذا الاحتياطي من 53 مليار دولار في نهاية عام 2015، إلى 50 مليار دولار في نهاية مارس 2016؛ أي إنه تم استخدام مبلغ 3 مليارات دولار من الاحتياطي النقدي خلال 3 أشهر فقط، وإذا اعتمدنا هذا المعدل، فهذا يعني أن هذا الاحتياطي انخفض إلى 41 مليار دولار في نهاية عام 2016 فقط وهذا في أحسن الأحوال، رغم أن معدل العجز في الموازنة الاتحادية لعام 2015، ومحدودية القدرة على الحصول على دين خارجي لتغطية هذا العجز، ربما يكونان قد زادا من حجم «استخدام» هذا الاحتياطي، ومن ثم قد نكون عملياً أمام رقم أقل من الرقم المقدر.

لقد ارتفع معدل الدين العام في العراق من 39٪ من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 (تبعاً لأرقام البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للعراق في هذا العام 223.508 مليار دولار، ما يعني أن الدين العام بلغ نحو 80.46 مليار دولار)، ارتفع هذا المعدل إلى 70٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام 2015 (بلغ الناتج المحلي الإجمالي لعام 180.07 مليار دولار، ما يعني أن الدين العام بلغ نحو 126.04 مليار دولار). ثم واصل الدين العام ارتفاعه في عام 2016 ليصل إلى ما نسبته 66٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وقد كان معظم هذه المديونية من الاقتراض الداخلي، ومع ذلك ثمة اتجاه واضح لزيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وهو ما تعكسه موازنة 2017.

ويشكل الدين الخارجي، وفقاً لأرقام صندوق النقد الدولي، ثلث إجمالي الديون (37 مليار دولار في عام 20155). وهو ما يتناقض مع الدعوة الصريحة التي تقدم بها صندوق النقد الدولي إلى الحكومة العراقية لضبط المديونية في المدى القصير.

الأغرب في كل هذه الأرقام، أن العراق لم يكن لديه موازنة لعام 2014، وهو ما يعني أن الحكومة العراقية (= رئيس مجلس الوزراء عملياً)، قد «استخدمت» ما يقرب من 11.7 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي العراقي (من احتياطي 81.6 مليار دولار نهاية عام 2013، إلى 69.9 مليار دولار في نهاية 2014) دون أي إطار قانوني!

يبدو أن فكرة الالتزام بالدستور والقانون، والشفافية، ليست سوى ترف لا معنى له في أوطاننا! وأن الفاعل السياسي يتصرف في المال العام بوصفه «ملكية خاصة» يتصرف فيها كما يشاء!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.