المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ياسين محمد علي Headshot

"اعقلها وتوكّل" وفي رواية "اسْتَمْطِر واستغفر"

تم النشر: تم التحديث:

لا ينبغي للحكومات أن تبرر فشلها بالقضاء والقدر، كما لا يليق بهيبتها أن تُحيل سوء تدبيرها وقلّة حِيلتها إلى نوائب الدهر، أو إلى قوى غيبية لا تعلمها؛ لأن ذلك يعني تهرباً من تحمّل مسؤوليتها تجاه الجماهير، وتملصاً من أداء الواجب، والطامة الكبرى تكون إن تجاوزت الحكومات التبرير القائم على فلسفة الجبر الميتافيزيقي إلى إعداد جرع أفيون تحقنها في أوردة شعوبها؛ لتسكن الآلام التي سبّبها لهم سوء التدبير، وكثرة التبذير.

كما لا ينبغي للشعوب أن تكون ساذجة سطحية تنطلي عليها الحيل؛ فتنساق وراء كل ناعق، لكن تلك أمانينا والبراهين عكست المعاني وأدانتنا فصرنا كمثل الذي "يحمل أسفاراً"، كيف لا نكون مغيبين ونحن قوم إذا هبّت الريح علينا واشتدت سارعنا للبحث في تراثنا عن كلمات ندندن بها، معتقدين أننا نتعبد الله بفعلنا هذا ونتقرب إليه بـ"دعاء الريح"، في حين أن أسقفاً تُقتلع، وأعمدةً تسقط، ودوراً تغرق في الظلام، وأسفي على مَن ليس له بيت يؤويه، وإن كان له فهو من قش ومن صفائح لا تقيه، رغم أن ثُلة من بني جلدته رفعوا أكفّ الدعاء، وما اكتفوا بل نشروها وتشاركوها نصوصاً ومقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، علّهم بفعلهم هذا يؤجرون، وهم كذلك يظنون.

وليست الريح وحدها ما أزالت عن فكرنا المريض دثاره، فحتى المطر إذا انهمر وأحدث سيولاً جارفة أتت على بُنياننا المتهالك، فسدت الطرق والمعابر، وأغرقت المنازل، وحالت بيننا وبين مشاغلنا؛ تجدنا نهرع لتراثنا لنستنبط منه الدُّرر، ونخلص منه بذكر يخفف عنا وطأة المحن، وننال به الدرجات العلى، والحمد لله فقد وجدنا دعاء "نزول الغيث والمطر"، لكن حين تقلع السماء، وتبلع الأرض ماءها، وتجف الأودية والأنهار ومعها قطع السحاب، نشكو إلى الله القحط والسنين العجاف، ونبالغ في التفسير والتأويل هذا عذاب من عند الله، أما إذا اهتزت الأرض وانشقت وأخرجت أثقالها، وتخلت وفضحت الغش الواقع والفساد البين، يومئذ يحدثك الشارع والإعلام والمنابر كلها عن أخبارها، يا مَن تجهل هو عذاب من عند الله حلّ، وأنها علامة قرب الساعة، وانتهاء الأجل، فلا تبحث عن السبب، ولا تسأل عن المُتسبب.

لستُ شيطاناً رجيماً يقض مضجعه صوت بسملة، أو آية تُتلى، أو دعاء يرفع لربي وربكم العلي الكبير، كما لا أنكر فضل الدعاء ولا أزدري مكانته ولا أنكر كذلك سُلطانه، لكن مهلاً يا قومنا، ما هكذا تورد الإبل، وما هكذا يكون التوكل ولا الإيمان، ليس بالدعاء المجرد نبني عزّنا، ويكفينا حتى ندرك ذلك أن أذكركم أننا ندعو الله عقب كل صلاة وقبلها، وفوق كل منبر منذ زمن أن يحرر فلسطين، وأن يصلح حال بلاد المسلمين، ويوفق ولاة أمورهم للبر والتقوى ولفعل ما يرضى، فهل زال الظلم؟ وهل ارتفعت عنا سطوة الظالمين؟ وهل صلحت حال بلاد المسلمين؟ وهل تحررت فلسطين؟ كلا بل زادت على فلسطين الشام والعراق، وما البيت الحرام عن المحتلين والمحتالين ببعيد، فهل تنفعنا بعد كل هذه الصلوات والأذكار والرب جلّ في علاه يقول: "إن الله لا يصلح عمل المفسدين".

وبعيداً عن ذلك كله وفي ذات الكوكب الذي نحن فيه، خبر أقوام آخرين، أناس يُحضرون لأيام الريح العاصف والزلازل بنياناً مرصوصاً يقيهم سطوة الريح، وهزات الأرض بتصاميم تزيد بنيانهم رسوخاً وعلواً، وتُحَوّل مسار الريح حتى تُستغل قوته في توليد طاقة تُنار بها ظلمة الليالي، وتُشَغل بها أجهزة الراحة والرفاهية، ولا صوت يسمع لمعاناة كان سببها رِيح هوجاء، فقوة الريح تزيدهم قوة إلى قوتهم، أما المطر عندهم فهو حولهم لا عليهم، ليس لأنهم رفعوا أكفّ الدعاء والابتهال؛ بل لأنهم لم يَدَعوا مجالاً لصدفة تزعجهم وتنغص صفو عيشهم؛ فاستغلوا مقدراتهم أحسن استغلال، وأقاموا قنوات صرف تَقيهم الفيضانات، وجدراناً تدفع عنهم السيول، وشَيدوا مع ذلك الآبار والسدود ليواجهوا سنينهم العجاف، وما اكتفوا بل إنهم نفذوا من أسوار قوانين الطبيعة بسلطان، وابتكروا تقنيات الاستمطار وإنزال المطر صناعياً، وتحلية مياه البحار، دون تأويل ميتافيزيقي لغيبٍ لا يعلمونه، الله وحده من يعلمه.

هذا كله وليس في دين هؤلاء إن كان لهم دين "اقرأ" أو "وقل اعملوا"، ولا حديث عن قيم العدل والمساواة في دينهم على حد علمي إلا أقل من القليل، لكنهم اتخذوا من ذلك القليل ديناً وعقيدة، واتبعوا أحسن ما أنزل إلينا فنما القليل وازدهر، أما إتقان العمل والإخلاص الذي نحن أولى به منهم فقد سبقونا إليه، وحوادث الدهر التي نؤولها نحن بأسلوب طفولي ساذج يتغنى بالقضاء والقدر في محاولة منا لستر عوراتنا بأثواب مطرزة بآيات وأحاديث أخرجت عن سياقها، وقصص تراثية ما أنزل الله بها من سلطان، هي ذاتها الحوادث التي تتسبب في إقالة حكومات، وسجن وزراء جزاءً وفاقاً على تقصيرهم، فأين الخلل؟ هل نحن أغبياء؟ أم أن نمط التدين الذي نتبناه جعلنا كذلك؟

فهلّا عقلناها وتوكلنا؟ وهلّا أعدنا للعقل مكانته، وللإنسان كرامته؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.