المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يسين بوغازي Headshot

الانتخابات مراكب فضائية

تم النشر: تم التحديث:

في الخضم المنسي الآخر في قريتي، مقهى يكاد يكون عامراً برواد، وهو الذي لا يدخله سوى سكان فقراء من حي سكني تتعلق الطين في أقدام ساكنيه وينقصه الماء إلى أن يرتجى، وتخجله جماليات العمران في الصور والأفلام، فيصلي للأشواك والأعشاب الضارة والنافعة التي تحاصره أن تخفف قليلاً بشاعته الحصار.

فمنذ دورة مفاتيح شققه الأولى كان كذلك، وعند التوزيع الأولي الذي كان مباركاً فوق أصابع رئيس دائري بوصايا والٍ هنالك، وبسمات رئيس مجلس شعبي بلدي كان كذلك، ربما كانت هذه المفاتيح أقصى أماني الرجال.

في الخضم المنسي الآخر في قريتي مقهى أضحى عامراً، ونادل اكتفى بالتفرج؛ لأن الداخلين الجدد يخدمون أنفسهم بأنفسهم، علاوة على أن أثمان ما يقدمه مقهاه لم تعد مهمةً كثيراً، ففي آخر المطاف حاسبه شخص ببذلة زاهية ونظارة سوداء تقيه تقاطعاً ربما يوقظ أحزانه ويبكيه، فأعطاه ما يكفيه وأكثر.

مقهى ونادل عاطل عن عمله الاعتيادي وشخص يدفع أثمان مشروبات وقهاوي وحلويات وسجائر وكأنه ينثر في الدنانير على سليقة الخلفاء.

فالزمن المقهوي هذا زمن انتخابات وتشريعات ودعايات وقول جميل جزائري، وكأنه ليس كذلك، وهذه الكائنات الفضائية المخترق للمقهى أفواجاً أفواجاً ليست إلا تشكيلات تحزبية لأعتى الأحزاب المنخرطة في السرايا والبقايا والخفايا والنوايا الطيبة وهي الأقدر سطوة وتحكماً ومقارعة لفيروسات الكواكب الأخرى من إرهاب ورشوة وسارقين وفاحشين وفاحشات ومارقين ومارقات في طينة على لابونت.

والمناسبة حملة انتخابية جوارية ربما فلا تطيق هذه التشكيلات التحزبية أعباء حملة ضمن التجمعات الانتخابية الكبرى خوفاً ربما من مبررات تسكن مرشحين محتملين عن عزوف أصاب شعباً برمته من مشاركة انتخابية هو أول العارفين بحضارتها وإنسانيتها، أنها حاملة للمعاني الديمقراطية والحكم الراشد، وأن العزوف سيبقى كل هذه الأشياء قيد الانتظار، ولعله الانتظار نفسه من قتل الحياة في قريتي.

هذه التشكيلات التحزبية اكتفت بالجواريات والسريات والصداقات وتوصيات الأسر الفاعلة مالياً وكروياً واجتماعياً، وهيئات أخرى أهلية من أبناء لشهداء قيام عظيم لا تزال دموعه لم تجف، وأبناء رائعين من سليل مجاهدين ومجاهدات ومسبلين ومسبلات وفدائيين وفدائيات لا تزال صور حميمياتهم وهم يمرون في شوارع قريتي الحزينة تثير البكاء، فتخفي الدموع كل مرة صوناً لأسمائهم، مما آل إليه القيام العظيم نفسه، وقد قضم قضماً بمعاول الجاهلين.

قد لا يفيد كل هذا والوفود التشكيلية التحزبية هذه، وكأنهم مراكب فضائية غريبة الأطوار والوجوه والأسماء والمشارب، والآخرون وكأنهم كائنات فضائية من مجرة أخرى فلا يفقهون قولاً يقال لهم، والصمت أضحى نظريات تقتل وردة الأشواق في أعماق روحي وترمقهم في حزن الأنبياء والصالحين.

فلا جامع بينهم سوى ظل صورة زعيم حزبهم، أو متصدر أسماء ورقتهم، وقد فرض فرضاً بما يملك ما لا يملكه الآخرون من اتفاقيات وتسهيلات وتركات مروراً من أرباب السماوات البلاستيكية المصرة على تغليف قريتي، وكأننا نبات للتجريب الغذائي وكفى.

زوار من ممتطي المراكب الفضائية، فلا تفهم لغتهم، ولا تستحب حركاتهم، ولا يفرح تحركهم، ولا تنفع أموالهم، ولا تضحك ابتسامتهم، ولا تخيف سطوتهم، مثلما الفضائيون فما يعطونك باليمين سيستردونه حتماً عبر أكشاك أخرى والتزامات وشروط عيش.

قال كبيرهم الذي رفع على أكتافه فيدرالية أو مكتباً أو قسمة حزب طوال السنوات إنه سوف يغرس في حدائق البرلمان زهور عشتار والنرجس والياسمين وسيزيد غرساً زهور الغار والبلار وشقائق النعمان، وإنه سيكتفي برقم هاتفي وشريحة واحدة ستظل ليل نهار في استقبال المتصلين على نغمات نص قرآني جعله الآخرون رسالة استقبال في أسوأ الإساءات للدين المحمدي العظيم.

في الخضم المنسي الآخر في قريتي وفي المقهى المنزوي نسي وقف البث التلفزيوني لقناة تسقط كما أحجار البراكين على قريتي، فلا ترحم حقائق الأخلاق، وما اتفق عليه، تلفزيون قناة من هواء تقول ما تقول كيفما تقول، فلا حسيب ولا رقيب، فقد نسيت وهي تبث أخبار أناس من قريتي الأخرى هم أيضاً في مقاهٍ أخرى وكأنهم مركبة فضائية أخرى، فيما خبر عاجل يقرأ أن المراكب الفضائية غزت مقاهي القرى الأخرى، وأن الزوار هم الآن يملأون الشوارع والمقاهي وساحات الانتظار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.