المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

عزيزي الرجل الآن فهمت

تم النشر: تم التحديث:

هذه التدوينة بالعامية المصرية

قالوا لي أن مقالي عن السعادة الزوجية والعشق بعد الزواج قد حلق بهم إلى سماء جميلة, مليئة بنجوم منيرة, وعصافير مغردة ويفوح منها عطر زهور الياسمين على جيد الحور العين. وأن مقالي عن الخيانة كان كإعصار عصف بليلة الصيف الحانية تللك فأظلم سماءها و طرد العصافير وأذبل وردات الياسمين .

هم رفضوا مقالي هذا.. كرهوه فقد حط بهم من جنة وردية حانية، إلى مستنقع عفن كرهوه وكرهوا أن يسمعوا عنه .
أدركت من تعليقاتهم أن الجميع عطشى للحب، ظمأى للارتواء من رحيق الرومانسية الشهي.
و لأن من حاوروني كانوا في مثل سني ممن انتصف بهم العمر أو تجاوز انتصافه، فقد عرفت يقينا أننا نتفق رجالا ونساء في الاحتياج للرومانسية والهمسة الحانية.. ونتلظى شوقا لمن يصب كلمات الهوى والجوى في آذاننا بعد أن بلغ شوط الحياة مرحلة هي أقرب للسكينة والاستكانة، فبعد أن كنا نجري في سباقنا الماراثوني للحاق بقطار الوظيفة والمكانة الاجتماعية وجمع المال وتكوين البيت وتربية الأطفال ، كنا نجري ونلهث ونتقتطف من ثمار الرومانسية ما تيسر على عجل ودون روية أو ارتواء.

فإذا ما وصلنا إلى خط النهاية أو كدنا، نظرنا وراءنا
و أدركنا أن كثيرا ما قد فات.. ما بين ضحكات كان من المفروض أن نضحكها أو مرح فاتنا أن نلهوه أو بعضا من غزل البنات الملون فاتنا أن نتلذذ بطعمه تحت رذاذ مطر شتاء منعش أو صيف حان .

و ما بين تحسر على ما فات و أمل أن ندركه فيما هو آت تحدث الزلة أو النزوات .
و لأن الرجل أكثر حرية وجرأة بحكم التكوين والعادة والعرف فهو الأقرب لتلك النزوات.. فينزلق كالغر الأحمق مع كل لمعة أمل تبرق أمامه للسعادة.. بينما المرأة تحاول أن تلحق ما فاتها في رجلها وتنتظر منه أن يبدأها ويعوضها عن سني عمرها التي قضتها تحت قدميه و قدم أولاده.. يجد الرجل أن تلك الأنثى المنهكة المترهلة لا تناسب المرحلة.. هو يريد الأنثى التى شاركته أول طريقه الماراثوني، حيث لا تجاعيد
ولا ترهلات .

لا يريد تلك الأم الطيبة.. لا يريد تلك الزوجة المملة الرتيبة.. لقد أصبح غير ما كان.. صار له صولة وسلطان ومال. يستحق معها أن يذوق رحيق الزهرات اليانعات.. أو حتى الوردات المتفتحة بألوانها الجريئة الوقحة.. هو اشتهى الوقاحة والجرأة لتعوضه رتابة الطريق الطويل الذي ظل يلهث فيه جريا بلا هوادة.. ذلك الطريق الذي اكتشف فجأة أنه كان طريقا رماديا خاليا من الألوان ومليئاً بالحفر.. آن الأوان أن يلون حياته بألوان جديدة.. وهكذا يأكل الرجل من التفاحة المحرمة .
و هكذا يطرد من الجنة.. تلك الجنة التي كان فيها ظهره محميا بإمرأة تحارب من خلفه حتى لا يسقط وحتى يكمل السباق ولأنه كان يجري بكل قوته لم يستطع أبدا أن يستوعب حجم المعارك التي خاضتها شريكته لتحمي ظهره،
ظهره الذي تأذت فقراته من طول الطريق وعثراته.. ظهره الذي ما عاد يحتمل سوى امرأة عاشت وعايشت سباقه وتملك وحدها الترياق لتداوي ألم فقرات ظهره.. هي الوحيدة التي تعرف مواضع الألم.. هي الوحيدة التي تحفظ أصابعها مواطن التدليك التي تريح الظهر المتعب وتحفظ الترياق .
و لكن الرجل غالبا لا يعرف تلك الحقائق إلا بعد أن يذوق الألم ولا يجد الدواء يصرخ لزهوره اليانعات علها تشفيه لكن دون جدوى.. و أمام عدم الراحة والتعب والإرهاق يبحث الرجل عن طبيبه القديم.. ذلك الطبيب الذي رافقه طول الدرب ويسأله الشفاء ويعتذر عن فترات التوقف عن العلاج أو بحثه عن إكسير الشباب، فقد كان يمني نفسه بأن
يحتفظ بمكاسب السباق مع العودة لسن ما قبل السباق لكن هيهات.. وحدها الطبيب تعرف أنه هيهات وأنها الأخرى تحتاج من يطببها وأن ترياقها معه لكنه نسي ذلك وأخذه وانطلق يجري بعيدا عنها حتى ازداد عليها الألم.. ويعود المخدوع لطبيبه فيجده قد هده المرض و أسقمته الفرقة والوحشة .
هي تجربة أبدية التكرار.. كرحى تطحن الحصى فلا الرحى تتوقف عن الدوران ولا طحين الحصى يطحن خبزا .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.