المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

من دفتر مذكرات "أُم" على باب الغرفة البيضاء

تم النشر: تم التحديث:

كقطعة ألماس رائعة نفيسة كانت بالأساس قطعة فحم لا قيمة لها، فأحالتها نير البراكين والضغط وعوامل الزمن لتلك الماسة الرائعة التي تشتهي الأعين مرآها، هي الأمومة، غريزة تولد مع الأنثى، تمارسها مع عرائسها، حين تهدهدها وتعتني بها.

قطعة فحم كامنة في باطن الأرض، في باطن كل أنثى، حتى تضع مولودها، وتمر عليها الأيام والضغوط ونيران الزمن، فتحيلها من مجرد غريزة لعاطفة جيّاشة صلبة، بل أصلب من الفولاذ ذاته.

والغرف البيضاء بهدوئها الظاهر إن هي إلا براكين متفجرة داخل قلوب الأمهات، تنور يحيل الفحم ألماساً، والهش صلباً، والرقيق جلموداً.

أن يكون ابنك فلذة كبدك خاضعاً لمبضع الطبيب وهو غائب عن الدنيا، هي لحظات تمر كأنها دهور، وليس دهراً واحداً.

وهنا دعوني أنقل لكم ثلاثة مشاهد عايشتها وأولادي في الغرف البيضاء، وبيني وبينهم حاجز لا أستطيع أن أتخطّاه، والقلب كحيوان شرس حبسوه في قفص ضيق، مفتاحه في تلك الغرفة البيضاء، وتحديداً في جيب الطبيب الجراح الراقد فلذة كبدي على طاولته.

مشهد (1)

أدخلوني غرفة الإفاقة، أحمل غاليتي على صدري، كانت ترتعد من الخوف، وكنت أربت ظهرها وأبتسم لها مطمئنة، وأنا أجر قدمي فيل آسيوي في أواخر عمره قد أعلنت أرجله عليه العصيان.

بياض الغرفة يضايقني، يعميني، جلست حيث أشار الطبيب عليّ بالجلوس، أعد حقنته المخدرة، فهنا كان من المفروض أن يخدر طفلتي، قبل أن يدخل بها غرفة العمليات، ما إن غرس في ذراعها الصغيرة الضعيفة إبرته حتى رفعت عينيها تستنجد بي، لم تكمل صرختها، غلبها العقار على أمرها، فسقط رأسها الجميل على صدري فاشتعل.. نيران هي مزيج من الرعب واللهفة والحزن.
مد الطبيب يده لأسلمه الصغيرة، نظرت له متوسلة.
قال مربتاً على آلامي:
- ما تخافيش، هتبقى كويسة إن شاء الله.
تشبثت بابنتي، وكأن جسدينا قد التحما ويصعب فصلهما.
هز الطبيب يديه الممدودتين مرة أخرى يطالبني بالبنت.
دقات قلبي صارت مزعجة، علت وعلت وعلت حتى أزعجت الكواكب الأخرى.
يئس أن أناوله ابنتي فمد يده يأخذها بنفسه.
- اتّطمني.
ما أجدت كلماته نفعاً، جذب البنت بلطف حازم، استطاع أن يفلتها، لكن قلبي انفلت معها، تشبثت بها بعيني، لكنها نظرات كتعاء بلا أذرع، لم تستطُع أن تطول ابنتي ولا قلبي اللذين ابتعد بهما الطبيب، حاولت الوقوف فسقطت على الكرسي عاجزة، وهل يملك جسد حراكاً بلا قلب؟

مشهد (2)

غاضبة ساخطة على نفسي كنت أتحرك بلا هدي أمام باب غرفة العمليات، رائحة غادية في مساحة لا تتعدى الستة أمتار.
كيف سمحت لهم أن يدخلوا ابني العمليات، لن أسامح نفسي إذا أصابه مكروه لا قدر الله.

لا أريدهم أن يعالجوا ذراعه المكسورة، أريده هكذا.

كنت أنظر للكوة الزجاجية التي تتوسط الباب الذي يوصل لغرفة العمليات، أدقق النظر فلا أرى شيئاً من غشاوتها أو لعلها غشاوة عيني التي لا ترى بوضوح من سيل الدموع المنهمر بلا رحمة.

ملايين الأفكار تحاربني وأحاربها، كدون كيشوت يحارب طواحينه.
ماذا لو؟ ماذا لو؟ ماذا لو؟
كانت تلك طواحيني، التي أحاربها بسيوف ثلمة وأسلحة صدئة.
أريد ابني، أنظر من الكوة، مجدداً لا أرى شيئاً، هنا اقترب مني موظف الأمن:
- مدام من فضلك ممنوع الوقوف هنا.
لم أسمعه، كنت مستغرقة في حربي، جرب ثانية:
- مدام ممنوع الوقفة هنا.
أتاني صوته من عالم آخر، عالم موازٍ لا يمت لعالمي بصلة، بشبه انتباهه نظرت له، ثم نسيته وعدت لحربي مع طواحين الهواء رائحة غادية في خطوات هستيرية.
عاد مرة أخرى، مسكين هذا الرجل، هو يمارس عمله فقط، لكنه اقترب من عرين أم قلقة على ضناها.
حاول الكلام فعاجلته هذه المرة بنظرة كالطعنة، وأشرت بإصبعي على شفتي، وبعنف قلت:
- ششششششش.
عدت لعالمي، أسقط في يده، خبط كفاً بكف في قلة حيلة، أنقذه طبيب كان في طريقة لغرفة ملاذي، قال له بلطف مربتاً على كتفه:
- اتركها.
رد الحارس مدافعاً عن نفسه:
- والله ما قلت لها حاجة يا دكتور.
ابتسم الطبيب وتابع وفتح الباب، أمسكت بملابسه متوسلة:
- ابني جوّه.. ممكن تبعت حد من عنده يطمني؟
طأطأ برأسه وابتسم، ربت على كتفي ودخل، واختفى وراء الكوة الزجاجية التي تحجب عنّي الحياة.

مشهد (3)


خرج عليّ بوجهه الذي يحمل مزيجاً من الجدية والبسمة المطمئنة، بيده ورقة أشعة وقفازه غارق في الدم.
سقطت عيني على قفازه وسقط قلبي معها، داهمني الإغماء فتشبثت بمقعد معدني، تصنعت الصمود وحاولت تجنب النظر لقفازه الملوث بدم ابني.
كان ذلك الجراح الذي يخضع ابني لمبضعه في الغرفة المجاورة.
استدعانا لغرفة ملحقة بغرفة عملياته ليضع أمامنا الحقيقة ويطالبنا باتخاذ القرار، هل يكمل ما بدأ، أم يتراجع؟

قفازه الغارق بدم ابني كان يقف بيني وبين عقلي، فكيف أتخذ قراراً وقد تغيب مني العقل.
بعفوية أحسده عليها أشار بإصبعه الذي خضبته دماء ابني إلى شاشة كمبيوتر لنتابع الحالة.

لكنني كنت كأحمق تشير له بسبابتك لقرص الشمس فلا ينظر لغير إصبعك.

حملقت في إصبعه وقاومت الإغماء ثانية، فنبهني بصبر وطول بال للنظر إلى شاشة الكومبيوتر.

رأيت أسلاكاً وكاميرات دقيقة، نظرت له كالبلهاء لا أريد التصديق أن هذا الذي أراه هو قلب ابني وقد مدد فيه شبكة أسلاك وكاميرات.

حاولت السؤال:
- ده قلب عمر؟
حاولت لكن لساني كان قد قد من حجر.
أشرت، فقال: نعم.
فقط نعم، هكذا ببساطة، وبدأ بالشرح بنفس البساطة والاستفاضة، ليته فقط لم يستخدم يديه في الإشارة والتعبير، هو لم يكن يدري بالرسائل التي ترسلها يداه لعيني ومنها لعقلي، كلما لمحت نضارة دم ابني تخضب يديه.

وددت لو صفعته، لا ابني بين يديه، سأنزل تحت قدميه أقبلهما وأستميحه أن يرد لي الغالي، أنا لا أريد جراحة ولا أريد طباً، كيف سمحت لهم أصلاً أن يدخلوه هنا؟ كيف طاوعتهم؟

صرخاتي تنطلق لكن لساني يعجز، وعيناي تعانداني ولا ترى غير الدم، لقد غيرت رأيي، قلتها وأبوه في نفس اللحظة:
- قِف.. لا تستكمل، أعد لنا زهرة العمر التي ننتظر أن تزهر في خريفنا، أيها الطبيب اغسل يدك من دم ابني وأعُده فوراً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.