المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

الحب من غير سبب قلة أدب

تم النشر: تم التحديث:

كم مرة شاهدت رجلاً يقبّل يد زوجته في الشارع؟ مرة؟ مرتين؟ ولا مرة؟

الحقيقة الواضحة الجلية أن الرجل الشرقي عامة، والمصري على وجه الخصوص، يعتبر أن التعبير لزوجته عن مشاعره على الملأ هو انتقاص من رجولته، وخرق صريح لكل الآداب والأعراف.

ثم يعود نفس الرجل ويشتكي أن الزوجة المصرية نكدية، ولا تجيد التعبير عن مشاعرها، وليست "دلوعة" وغنجة كباقي الجنسيات.

سيدي.. هذا ما ألفينا عليه آباءنا، ولو علمتمونا غير ذلك لتعلمناه وألفناه، ولَلانت مشاعرنا، وأريناك من الغنج والدلال ما ربانا عليه الآباء والإخوة.

لكن الآباء والإخوة ربونا على أن التعبير عن المشاعر "قلة أدب"، لا تصدقني.

كم مرة خطر في بالك وأنت تشاهد شاباً وفتاة يأكلان الذرة على الكورنيش، أو يجلسان يتسامران على أحد المقاهي ويضحكان من القلب أنهما ربما كانا أخاً وأخته؟

الحقيقة أن الإجابة ستكون "ولا مرة"، أنا أيضاً مثلك، لن يخطر ببالي مطلقاً أنهما من المحتمل أن يكونا أختاً وأخاها، فالأخ في مجتمعنا لا مانع لديه يخرج للنزهة مع صديقته، وأن يعزمها على السينما أو الطعام أو الجلوس على مقهى، لكنه يرفض أن يفعل المثل بصحبة أخته البنت، فلا وقت لديه لدلعها "الماسخ".

والأب نفس الشيء، قد يأخذ الأسرة كاملة للطعام أو السينما، لكنه لن يختص ابنته بنزهة تكون هي بطلتها الوحيدة.

وعندها قد تبدأ البنت بتفريع طاقتها في البحث عن الرومانسية المنشودة -فهي كائن حي له احتياجات مثل الرجل تماماً وليست المرأة المصرية شرعاً مختلفاً عن كل نساء العالم- يعتبر الرجل الأب والأخ أن ما تفعله هو جريمة في حق الشرف والشرع والدين، فهلا بحق كل الأديان، هل مارست دورك وأديت لها حقها ثم حاسبتها وعاقبتها؟

قديماً وأنا طفلة كنت أشاهد الفلاح يركب حماره وزوجته تتبعه، راجلة، بل قد تكون حاملة على رأسها حملاً ثقيلاً كأواني طعام مثلاً، أو حتى كحمار زوجها تحمل البرسيم وما شابه.

كان هذا المنظر يستفز مشاعري جداً، ويبعث في نفسي الاستياء، وعندما كنت أسأل: لماذا لا تركب الزوجة الحمار باعتبارها الطرف الأضعف؟ أو لماذا لا تركب وراءه على الأقل؟
كانت الإجابات أكثر استفزازاً لمشاعري، كانت الإجابات من نوعية "أهو ده اللي ناقص كمان؟"، أو "مش ناقص غير إنك تقولي ليه مش هي اللي تركب وهو اللي يشيل الحلة على راسه!".
كأن سؤالي في حد ذاته جريمة، أو نكتة سخيفة تستحق السخرية منها.

وكلما مرت بي السنون اكتشفت أن الموضوع إرث سخيف من الموروثات المجتمعية الكثيرة التي لا تستحق أكثر من الوأد تحت تراب المدنية والتحضر.

أذكر أني منذ سنوات وكنت في إحدى الزيارات لبيت زوجي، كنا نتمشى أنا وزوجي في الحقول، وكانت الأرض غير ممهدة، وكان زوجي يمسك يدي ليساعدني ويمنعني من السقوط، وإذ فجأة ترك يدي كأن عقربة لدغته، وتوجست شراً مستطيراً، ولم يكن هذا الشر سوى أن رجلاً من أهل القرية قابلنا، فترك زوجي يدي حتى لا يرانا الرجل، وعندما سألته ضاحكة: فيه إيه يا حاج؟ ده انت كنت ماسك إيدي لوجه الله والإنسانية.
ردّ: عايزة الراجل يشوفنا؟ يقول إيه يعني؟
ورددت ضاحكة: يا دي الفضيحة! لأ طبعاً ما يصحش، بس لو وقعت دلوقتي الفضيحة هتبقى أكبر على فكرة وشرف العيلة هييجي عليه تراب وطين.

هو زوجي المتحضر المتمدن، صاحب الرؤية والمنطق، الأب الحنون على بناته الذي يغرقهن بالدلع "الماسخ"، لكنه هو أيضاً الرجل الشرقي المصري بكل موروثاته، الذي يخشى أن يراه أحدهم يمسك يد زوجته على الملأ.

إن الرجل المصري لا يستحي أن يشخط في زوجته على الملأ، أو يزيد فيهينها على الملأ أيضاً، لكنه يستحي أن يقبل يدها، أو يقول لها كلاماً رومانسياً كالذي يسمعه ويطرب له في الأغاني، ثم يستغرب جداً أن تفعل المرأة مثل ذلك وتستحي أن تعبر عن مشاعرها، ويتجاوز ليتهمها بالبرود.
إنه ليس بروداً سيدي، بل انعكاس منطقي لقطبية التعامل.

سألت مرة رجلاً حكيماً عن هذا الموضوع فحكى لي حدوتة عن رجل سألته زوجته نفس السؤال، فاصطحبها لحديقة الحيوان، وشاهدا قفص القرود وانبهرت الزوجة بتنطيط القرد حول زوجته، ولعبه معها، وهمزت ولمزت زوجها، وقالت له: شايف؟.. اتعلم.

فأخذها الزوج إلى قفص الأسود، وشاهدت الأسد جالساً بعيداً عن زوجته، كؤوداً نكداً، لا يبادلها حتى النظر، وهنا طلب الزوج من زوجته أن تقذف زوجة الأسد بعلبة عصير تحملها، وعندما فعلت ثار الأسد وهاج وماج دفاعاً عن زوجته، وأخذ الزوج زوجته وعاد بها إلى قفص القرود، وطلب منها أن تقذف زوجة القرد بحصاة صغيرة من الأرض، وعندما فعلت قفز القرد بعيداً عن زوجته؛ ليحمي نفسه من الحجر، تاركاً الزوجة تلاقي مصيرها، وهنا سأل الزوج زوجته: لا تغترّي بالحركات، وليس التعبير عن الحب "تنطيط" ومظاهر فارغة، الحب يظهر في المواقف.

قالها لي الرجل الحكيم كأنها فصل القول، وكأن جهينة قطعت قول كل خطيب، لكنني لم أقتنع ولم تتعدَّ الحدوتة كونها ثرثرة لطيفة، قد أتعلم منها فقط إن تعلمت أن المظاهر خادعة، وذكرت للرجل أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخجل يوماً من التعبير عن مشاعره، وذكرت له الواقعة عندما كسرت السيدة عائشة إناء يحمل الثريد أعدته السيدة حفصة للرسول وصحبته، ولم ينفعل سيدنا النبي ولا نهر عائشة، بل بدأ فوراً بجمع الطعام، وقال: "غارت أمكم".

بمنتهى الحلم والمحبة، وأنه هو نفسه الذي عطل جيشاً عن المسير؛ ليبحث عن قلادة عائشة الضائعة، واستاء من والدها عندما نهرها واتهمها بتأخير الجيش.
وأنه هو الذي سابقها في الجري فسبقها مرة وسبقته مرة أخرى بعدها بسنوات.

ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك قصصه المعلنة التي لم يخجل من نشرها، وذكرها على الملأ، ولم تنتقص من رجولته، ولا من كونه نبياً ولا قائد جيوش ولا معلماً، صلى اللهم وسلم عليك يا سيدي ومعلمي.

وحسناً يا سيدي الرجل الشرقي المصري، إذا أردتني أن أقتنع بوجهة نظرك في عدم جواز التعبير عن فعل الحب والاهتمام فسأقتنع، وسأمرر وجهة نظرك في أن المشاعر تكشفها المواقف فقط، لكن لا تلُمنا، ولا تتهمنا بالفشل في التعبير على المشاعر، وبأننا نكديات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.