المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

الثواني الأخيرة قبل الموت

تم النشر: تم التحديث:

أتدرون ما الوجع عندما يتمنى لك جميع الأحبة الموت لترتاح؟!

مدهش هو الموقف عندما تبث شكواك للعالم فلا يمتعض، هم لا يجدون غضاضة في ذلك، بل يشاركون الأحبة الدعوات.

فلترحل، قد عشت وعشت وتمتعت بالأبناء والحفدة والمال والطعام وموفور الصحة، دع جزءاً للحفدة، أليسوا امتدادك؟
وكأنك صرت تأكل من طبقهم، أنا لا ألومهم، مثلهم كنت يوماً ما، تمنيت موت الراحة للعجائز، ولم يخطر ببالي يوماً رقدتي تلك، وأن الدنيا كالرحى، يوماً تكون يد الرحى بيدك تطحن بها، ويوماً تكون أنت الطحين.

يكررون لا، بل عشت وعشت، فدع العالم يعيش.

تتراجع مدهوشها مذعوراً، تتساءل: هل عشت؟
كيف تسربت السنون سريعاً من بين أصابعي، ربي ارجعون.

تصم آذانك دعواتهم بأن يخفف الله عنك، وأن تنتقل انتقالاً ميسوراً بلا ألم، وأن تلحق السلف على خير.

يزداد ذعرك، تشعر بالغربة، بالوحدة الشديدة، يعتصرك البرد، ينسحب الدفء من أوتارك، يتجمد الدم في عروقك رويداً رويداً، تشعر بالعطش الشديد، أنهار الدنيا لن تطفئ عطشك.

- هذا العالم لم يعد لك، لست جزءاً منه البتة.

تتزاحم الذكريات، تشاركهم الضغط على قفصك الصدري، تزهق روحك، تسترجعها باستماتة، ما زال هناك الكثير لم أفعله.

تراجع ذكرياتك، طفل أحمر الخدين موفور الصحة يستقبل الدنيا بضحكة لا تلوي على شيء ولا تحمل هماً أو وزراً، أنظر لحفيدي، كأن نظرته البريئة ترجوني أن أرحل.
- "لن أكبر وأنت هنا يا جدي، فلترحل، أفسح لي مكانا".

كيف استنطقت الرضيع، وكيف فسرت ثغاءه؟ لماذا لا يفهمه غيري؟ لماذا لا تنهره أمه، أغرب عن وجهي، العالم ما زال أمامك، لكنني صرت أراه خلفي، أغرب.

- ارحل يا جدي.

يقولها ويضحك ببراءة، تبتسم أمه، كيف لها أن تبتسم له وهو يطالبني بالرحيل؟ لماذا لا توبخه؟!
الذكريات تؤلم عيني، بالكاد أرى أولادي الملتفين حولي.

- ألف سلامة ع الحاج.. ربنا يخفف عنه.

صوت الجارة يصم أذني، عالياً مزعجاً، تجاملهم بالدعاء علي.

العالم صار لا يطيق وجودي، جميعهم تعطلت مصالحهم، ينتظرون مغادرتي حتى تستعيد حياتهم توازنها، سأغادر، أصلاً لمَ البقاء وقد غادرني كل الأحبة! رحلوا من زمن ولم يتركوا لي إلا الذكريات، هي كل ما أملك، فلأحزمها في حزمة كبيرة وأرحل، أو الأفضل أن أتركها، علها تكون تذكاراً أني في يوم ما سكنت عالمكم، صلت فيه وجلت، ارتحلت وتوطنت، حاولت أن أحصل على أكبر قدر من المكان والمال والسلطة والحب أو حتى الكره، لم أكن أهتم كثيراً، كنت أظن أنها دار الخلد، غرتني قوتي البدنية، فإذا بي الآن لا أستطيع حتى أن أتحكم في بولي.

لكنني قبل أن أغادر أنصحكم: لا تشيخوا، موتوا صغاراً، إن مت صغيراً سيؤلمهم موتك، كلما طال عليك الأمد في الحياة ازداد زهدهم فيك، وتمنوا لك الموت، وكلما صرت عبئاً على كاهلهم، أحسوا بأنك تزاحمهم في الحياة، وما الحياة؟ أقولها لك صريحة صادقة: قبض الريح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.