المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

حدوتة جدي!

تم النشر: تم التحديث:

تعلمت كثيراً من جدي؛ لكن أكثر حكمة تعلمتها منه هي "من بيته"، وهي حكمة رواها لي في حدوتة، عن أميرة كانت تنظر من شرفة قصرها بصحبة والدها الملك، يتسليان بمشاهدة المارة، وعندما مر عليهما رجل حزين، سأل الملك ابنته الجميلة الوحيدة: لماذا تظنينه حزيناً؟

فترد الأميرة: "من بيته".

وبعد فترة مر رجل يغني طرباً من السعادة، فعاد الملك لسؤال الأميرة: لماذا تظنينه سعيداً؟

فترد الأميرة نفس الرد: "من بيته".

ويمر "شحَّات" ويسأل الملك: لماذا يشحت؟

لترد الأميرة: "من بيته".

وهكذا سار الحال، كلما مر شخص رجلاً كان أو امرأة، شيخاً أو صبياً، سأل الملك عن سبب حالته التي يسير عليها؛ لترد الأميرة: "من بيته".

حتى غضب الملك وظن أنها تستهزئ به؛ ليقسم: "والله لأجوزك واحد من بيته".

وينادي الوزير ليرسل في طلب أفقر رجل في المملكة، ويأتيه الوزير بالشيخ "محمود"؛ رجل رث الثياب مغبر، يفترش التراب ويلتحف السماء، يسكن في كوخ حقير مصنوع من البوص.

وإذ إن كلام الملوك لا يرد، تتزوج الأميرة الجميلة من محمود الغلبان، وترحل عن القصر لا تحمل غير الثوب الذي يسترها، بينما يولول "محمود" من الحسرة، فبعد أن كان لا يستطيع تدبير قوت يومه، أصبح مسؤولاً عن تدبير مصروفات أميرة ملكية.

ويغادر الزوجان تُشيعهما نظرات الوالد الغاضبة المعاقبة.

وتصل الأميرة للكوخ الحقير، وما إن تطأ قدمها الكوخ حتى تبدأ في تنظيفه، وتسأل "محمود" عن صنعته وتفاجأ بأنه بلا صنعة، وتفكر الأميرة طويلاً، وأخيراً تستسلم وتطلب منه أن يحتطب ويبيع الحطب.

ويفعل "محمود" ويأتي لها بقروش زهيدة، تحتفظ بنصفها وتشتري طعاماً بالباقي؛ ليجتمع معها آخر الأسبوع مبلغ زهيد؛ لكنه كافٍ لشراء خيوط حرير، وكانت الأميرة تجيد التطريز وأشغال الإبرة، وهكذا تصنع مفرشاً فخماً يليق بالملوك والأمراء، وترسل زوجها لبيعه، وبثمنه تشتري خيوطاً كثيرة لتصنع مفارش وشراشف وستائر حريرية فاخرة، ويكبر المشروع ليتحول لمشغل عظيم تعمل فيه عشرات الفتيات.

ويتبدل الحال غير الحال؛ لتصبح الأميرة وزوجها أغنى أغنياء المملكة، وتبني قصراً يباري قصر والدها في الفخامة، ويعزم الملك جيرانه الجدد على العشاء؛ لتذهب الأميرة متنكرة في زي الرجال، وتجلس بجوار والدها، الذي يسألها: من أين لكم بكل هذه الأموال؟

لترد الأميرة: "من بيته".

وتخلع تنكرها ليعرفها والدها، وتقول له، إنها تعلمت في بيتها التدبير والرضا والتطريز، فاستطاعت عن طريق بيتها أن تعبر الأزمة، وتحول الفقر إلى غنى، وأنه دائماً وأبداً الغني غني من بيته، والفقير فقير من بيته، والحزين حزين من بيته، والسعيد سعيد من بيته.

ذهبت السنون وبقيت حدوتة جدي تعلمني أن النجاح في الحياة يصنعه البيت والفشل يصنعه البيت، وأن السعادة هي بيت سعيد والتعاسة هي بيت تعيس بالضرورة.

وكلما كبرتُ كبرَت معي الحدوتة والعظة، وكبر السؤال: لماذا عاقب الملك ابنته بتزويجها من أفقر رجال المملكة، دون النظر لأخلاقه حتى، لماذا أمر الوزير بإحضار أفقر رجل في المملكة وزوجه قرة عينه وابنته الوحيدة؟ بالتأكيد هو لم يزوجها حتى يعلمها درساً قاسياً، فالتعليم لا يكون بالتفريط في الأبناء، لا سيما لو كانت بنتاً.

لابد أن النقاش احتدم بين البنت وأبيها الملك لدرجة أغضبته غضبة الملوك القاسية الباطشة.

وحار عقلي كثيراً في ماذا يمكن أن تكون الابنة قالته واستحقت عقاب والدها.

لابد أنها تكلمت عن أن الإنسان يستطيع أن يصنع سعادته بنفسه ولنفسه متسلحاً بالمبادئ والعلوم التي نالها في بيت أبيه وأمه، مضافاً إليها العيوب والنقائص التي عانى منها، والتي تجعله حريصاً على أن يجعل بيته الجديد معافى منها، وأن العيوب قد تكون سلاحاً يبني وقد تكون معولاً يهدم بيت الابن على حد سواء، طبقاً لكمية الضرر الذي وقع عليه.

ولا بد أن الملك انفعل وذكرها أنه لولاه لما أصبحت أميرة مرفهة ترفل في الحرير والألماس، وأن الأميرة ردت عليه بأنه ليس بالمال تبنى الأنفس والأرواح، وأنها تعلمت في بيت أبيها ما يغنيها عن جاهه وماله، ولا بد أن الملك انفعل عليها وقرر أن تجرب الحياة دونما ماله وجاهه.

وهكذا زوجها من أفقر رجال المملكة، حتى إنه لم يبحث في مسألة أخلاقه، لولا أن الله سلم وكان رجلاً طيباً متعاوناً لديه طموح، لكن ليس لديه سلاح يواجه به الحياة، فهو قد خرج من بيت لم يسلحه لمواجهة الحياة، فكان قشة في مهب ريح الحياة، تطوّحها كيف شاءت.

بينما الأميرة تسلحت بسلاح العلم والمعرفة ولم تفسدها حياة الترف، كما أفسدت حياة الفقر زوجها، فليس بالضرورة الفقر يربي والغنى يفسد، والعكس بالعكس صحيح، بل ما نحصله من علوم حياتية وعلمية نستطيع بها مواجهة الحياة.

وهكذا صارت حدوتة جدي نبراساً لي، وأنا أبني بيتي، وأنا أربي أبنائي، عانيت معهم معاناة كل الآباء مع أولادهم؛ لكن فقط يمكنني القول إني ربيت أولاداً سعداء، يتفاعلون مع الحياة بأريحية وبلا عُقد، لديهم القدرة على النقاش وعلى قول رأيهم بمنتهى الصراحة والدفاع عن هذا الرأي، ولا يخشون سناً أو مقاماً في التعبير عن رأيهم، أحياناً أحسها وقاحة، لكن كلما تذكرت جبن جيلنا وطأطأته للكبير حتى لو كان على قناعة أن الكبير مخطئ، فلم تكن لدينا الشجاعة أبداً أن نقول للكبير الأعور أنت أعور، أولادي يستطيعون، سيقولون للكبير الأعور بكل أريحية: عفواً أنت أعور.

هذه الأجيال التي خرجت "من بيته" لتواجه الحياة بكل جرأة وإقدام هي أملنا في التغيير، فاليد العليا خير من اليد السفلى، واسمحوا لي أن أفسرها بأن الفاعل أفضل من المفعول به في ديننا الحنيف، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وكم خرسنا ونحن نسمح للكبار باختيار أزواجنا وبيوتنا وتخطيط حياتنا، كم خرسنا ونحن نرى المدير في العمل يخطئ ولا نحاسبه، والمدرس في المدرسة يخطئ ولا نحاسبه، أو حتى الأب يخطئ ولا نحاسبه.

كم شقينا بنظرية "اعتبره والدك يا أخي"، فنلنا رضا الوالدين ولم ننل برهما؛ لأننا من داخلنا لسنا راضين، لكننا فقط مطيعون، والرضا يجلب السعادة بعكس الطاعة التي قد لا تكون هي طريق السعادة دوماً.

أستطيع أن أفتخر أمام أبنائي أنني سلحتهم كما سلح الملك ابنته، وأنني أتركهم للحياة وأنا أعلم أنهم سيقدرون عليها؛ لأن الله يحب المجاهدين، وأي جهاد هو أسمى من جهاد النفس، وجهاد الوصول للغاية الأسمى وهي أن تلقى الله وأنت راضٍ.

أشكرك يا جدي، فإن لم تكن علمتني غير تلك الحكمة، فقد أوفيت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.