المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

نعم.. بِعتُ ابني!

تم النشر: تم التحديث:

هذه التدوينة بالعامية المصرية

"1"

نعم.. أنا مَن باعت ولدها للبحر، فترفَّق به يا سمك وأنت تأكله، فهو ثمرة الفؤاد، وغرس العمر، وصبر السنين، لا تظن بي الظنون يا بحر، فأنا أُم موسى رميته كي أنجّيه من شر البر المستطير.

خفتُ من فرعون الفقر الذي يذبح أبناءنا، ويستحيي الذل فينا، فرميته في سلة مصنوعة من عظام أقرانه، ووسّدته يا بحر بالكبد، فاعلم يا بحر أن أسماكك قد أكلت كبدي معه.

ما زالت قُبلته التي وضعها على يدي وسافر جمرة تحرق القلب ولا تنطفئ يا بحر، فلماذا عندما بردت مياهك جسده لم تستطِع أن تبرد كفّي؟ ولماذا أستيقظ على ألمها تحرقني كل ليلة وتمنع عن العين النوم؟

ملعون هو العوز يا بحر، الذي ألقى ابني في غياباتك، ملعون كما لعن الله فرعون. موسى.. لماذا يا رب لا ترده والهاتف يأتيني كل ليلة ويهمس في أذني "ولا تخافي ولا تحزني"؟
"2"
نعم.. أنا مَن باعت ابنها في سوق النخاسة، وجئت على قميصه بدم كذب وقلت لإخوته أكله الذئب، نعم.. أكله ذئب الحاجة وذئب الفقر وأكلني معه، بعته بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، لست أُمَّ يوسف الصديق، أعلم هذا، لكنني أم يوسفات كثيرة، تصرخ جوعاً حتى يصل صراخها إلى السماء فتمطر دموعاً وترعد وتبرق، علَّ البرق والرعود تكسر أقفالاً على القلوب، تمنعها أن تسمع صراخ الجوع، فبعتُ الرضيع؛ لعله يصبح عزيزاً كيوسف فيذكر إخوته لدى الفرعون.

"3"
نعم أنا التي باعت ابنها، وما ابني إلا متاع من متاع، شراني أبوه ودفع الثمن، بضاعة رخيصة باعها والدي وقبض الثمن.

سافرت غريبة وحيدة ضعيفة، بضاعة رخيصة تمسح وتكنس وفي الليل ترقص، وهل تملك الطيور الذبيحة غير الرقص تصرخ به من الألم، وبعد أن دبَّ فيَّ الهزال وأتى الصغير الرضيع الوضيع كأمه.
وأسدل الستار، وأتت بضاعة جديدة تسكن المكان؛ لتمسح وتكنس وفي الليل ترقص، وصار لزاماً أن أغادر، فبعت الصغير وقبضت الثمن، لكني تركت له وصمة ووسمة بأن أُمَّه كانت رقيقاً برسم الثمن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.