المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

أرانب القمر

تم النشر: تم التحديث:

البيت الكبير

لا أذكر من طفولتي سوى ذكريات البيت الكبير، بيت جدي الضخم الذي بناه والده، كان عمري لا يتعدى السنوات الخمس عندما عُدت مع أمي بعد وفاة أبي لنقيم في بيت جدي، بهرتني ضخامته، ورسخ في ذهني أن والد الجد لا بد أنه كان من عمالقة سليمان الحكيم، وإلا لماذا يبني بشر عادي منزلاً بهذه الضخامة؟

كانت حياتي في البيت أشبه بحياة أليس في بلاد عجائبها، غير أن بلاد عجائبي كانت واقعاً أعيشه كل يوم، كانت الأيام تترى، وانبهاري بالبيت يكبر، ومغامراتي اليومية تعيشني كما أعيشها.

في بيت جدي كنت طفلة أساطير بمعنى الكلمة، كانت كل الأشياء كبيرة، باب رئيسي ضخم، بحلقة حديدية تناسب ضخامة الباب وتتوسطه، لتعلن عن الزائرين وما أكثرهم، حجرات كبيرة مصطفة على الجانبين، نوافذ ضخمة بأسياخ حديدية محلاة، وأرجوحتي المصنوعة من الحبال ووسادة قديمة منصوبة دائماً على الأشجار في الباحة الخلفية للمنزل.

لم تكن الأشجار تخص جدي، بل كانت غابة من أشجار الكافور زرعها الجيران طلباً للخشب، وكنت كالسنجاب الصغير أمرح بين تلك الأشجار طوال النهار، بل أقفز فوقها كنسناس رشيق لأربط أحبالي وأنصب أرجوحاتي، أما الباحة الخلفية لبيت جدي التي كانت يوماً ما بركة ماء تعج بالأسماك والجنيات فكانت ملعبي ومرتعي، كنت أرسم في النهار بالطباشير أو حتى أحفر في التراب مخطط "الأولى"، وهي لعبة ألعبها مع الصديقات حجلاً على قدم واحدة، أو نلعب بالكرة "صياد السمك" أو "الكلب الحيران"، حتى الألعاب وقتها كانت لها أسماء ملهمة.

كنت ألهو في الباحة الواسعة طوال اليوم، أركض فيها فلا أستبين آخرها، حتى إذا جن عليّ الليل، تحولت باحتي وملعبي إلى أرض الجنيات المرعبة بظلامها، كنت أقف عند آخر حدود البيت أراقب القمر الذي كان يبدو وقتها أكبر، وضوؤه أسطع، وهو يبتسم في غموض لأشجار الغابة، فيصنعان معاً عالماً أسطورياً، وكانت حكايات جدتي وخالاتي عن الأرانب البيضاء التي تظهر في الليالي القمرية تجري وتلهو، تقفز وتختفي، وعن الجنية التي ظهرت من البركة...

حاولت خطف خالي وهو لا يزال طفلاً رضيعاً، لكن جدته أنقذته واختطفته وشيعت الجنية بالسباب واللعنات، فجعلتها تعود لبركتها محدثة جلبة، تقول جدتي إنها كل ما شهدته وسمعته من الرواية، إذ إنها كانت تدير ظهرها للبركة حين سمعت صراخ حماتها، وجريها على الرضيع تختطفه في حضنها، فالتفتت مذعورة، لتسمع صوت ارتطام جسم بالماء، لم تكن جدتي لتكذب بشأن الجنية ولا أرانب القمر، فظلت ذكرى بيت جدي ترتبط في ذهني بالأساطير.

أساطير زمان كان يحيا فيه الإنسان جنباً إلى جنب مع العفاريت، والجنيات، ولماذا لا يتعايشان والأرض كانت أرحب، والشمس كانت أسطع في سماء تباهي بزرقتها الزاهية اللون كأنها الفيروز ذاته، بينما القمر كان أكثر جرأة وأكثر اعتزازاً بنفسه، يظهر مبكراً كل مساء في موكب من جحافل من النجوم الساطعة، وهو يتيه وسطهم كفرعون، إذ خرج على قومه يوم الزينة، متدثراً بعباءة من الفضة الخالصة، وقد حملت محفته تكوينات نجمية رائعة الجمال، مذهلة التنظيم، لطالما قضيت الساعات الطوال مستلقية على ظهري على سطح البيت في الليالي الصيفية، أتأمل موكب القمر يأتي كل مساء، ويتلكأ في الذهاب، حتى تضطره الشمس إلى المغادرة بقسوة تكسر معها غروره.

إنه بيت جدي الضخم، الذي كنت أراه العالم، ذهب البيت وذهب العالم، قطعوا أشجار الكافور، وصرت أثقل وزناً من أن أصعد الشجرة أو حتى أصعد سلماً، صار الشارع أصغر، وانقسم البيت الكبير إلى بيوتات عدة لأخوالي وخالاتي، واختفت الباحة الخلفية وحل محلها بيت خالتي، وبقي البيت حلماً وذكرى، بعد أن رحلت الجنيات وهاجرت أرانب القمر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.