المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

قصة حياة جنيه مصري | "3".. " حد ليه شوق في حاجة؟"

تم النشر: تم التحديث:

هذه التدوينة تحتوي على كلمات بالعامية المصرية

وصلنا في حدوتة (#قصة_حياة_جنيه_مصري) إلى العام 1944، واللي بيعتبر نهاية مرحلة سيطرة الجنيه الإسترليني على العالم، وبداية سيطرة الدولار الأمريكي، وده بعد ما بريطانيا عملت عملتها السودة بطباعة عملة بدون أي غطاء نقدي.

واتكلمنا عن إن الدول بتخزن جنيه إسترليني في بنوكها المركزية كغطاء لعملتها المحلية، بعد ما أرسلت الدهب لأمريكا مخافة السلب والنهب في الحرب العالمية، واكتفت بتخزين الجنيه الإسترليني اللي كان منتشر حول العالم وبيسيطر على التجارة العالمية (راجع التدوينة السابقة).

ولأن الموضوع مثير وفيه أكشن ولا أجدعها فيلم أمريكاني، فقد قررت أن أخصص التدوينة دي لموضوع سيطرة أمريكا على العالم وظهور "ماما أمريكا" على رأي الفنان "محمد صبحي" في مسرحيته الشهيرة.

الموضوع إن أمريكا فهمت "الفولة" بدري، وعرفت إن السيطرة على العالم معناها باختصار حاجتين (سلاح وفلوس)، اللي الدول بتسميهم اسم شيك كده وكيوت (جيش قوي واقتصاد قوي).

أمريكا كانت الناحية التانية من الكرة الأرضية بعيد عن "معجنة" الحروب العالمية، اللي كانت بتطحن طحن دول أوروبا وكتير من دول العالم، الدول دي خافت على مخزونها الذهبي في البنوك زي ما قلنا، وكانت النتيجة إن أمريكا صارت الخزنة اللي بتخزن أكتر من 75% من دهب العالم، ومع تصاعد وتيرة الحروب أصبحت أمريكا قبلة الفارين من ويلات الحرب، علماء وفنانين وأثرياء أوروبا والمغامرين، بكفاءة منقطعة النظير قدرت أمريكا تضرب الخليط ده في خلاط واحد وتنتج مواطن يؤمن بإن أمريكا هي الحلم الوردي وجنة الله في أرضه للإنسان بغض النظر عن عرقه وأصوله (طبعاً بعد حرب ضروس استمرت أكتر من 200 سنة هي العمر الفعلي للدولة بعد نشأتها).
هذة الدولة الناشئة الفتية الثرية استغلت الغلطة اللي ارتكبتها بريطانيا بإصدارها عملة بدون أي غطاء واللي تسببت في كارثة اقتصادية لكتير من الدول اللي بتعتمد على الإسترليني كغطاء لعملتها.

هنا أمريكا قالت بمنتهى القوة: ستوب.. وقف عندك، وتعالى على حِجر ماما.
وبحضور 730 خبيراً اقتصادياً من 44 دولة من دول العالم وعلى مدار 22 يوماً في منتجع "بريتون وودز" في مدينة "نيو هامبشاير" الأمريكية، أشرقت شمس السيطرة الأمريكية على العالم وأفلت شمس التاج البريطاني، وبريطانيا التي لا تغيب عنها الشمس، وسبحان الله الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.
اللي حصل باختصار إن أمريكا جمعت دول العالم عشان تضع أسس نظام عالمي جديد يتيح حرية التجارة العالمية، ويحدد سعر صرف عادل للعملات العالمية.
في محاولة يائسة منها للحفاظ على سيطرتها على العالم، حاولت بريطانيا تقدم مشروع "كينز"، لعل وعسى تقدر تحافظ على وضعها العالمي المتميز، لكن عملتها السودة اللي أضرت بالاقتصاد العالمي (إصدار عملة بدون غطا)، حالت دون قبول العالم لأي رأي إنجليزي، وقالوا لها: إنتي لسه ليكي عين تتكلمي؟
وهنا كانت فرصة أمريكا الذهبية لتقديم مشروع مواطنها "هوايت" اللي بيضمن سيطرة أمريكا على الاقتصاد العالمي.
المؤتمر خرج بشوية نتايج مهمة، أولها اعتماد الدولار كعملة دولية بديلاً عن الذهب، إزاي؟
المؤتمر اعتمد قيمة ذهبية ثابتة للدولار تساوي 0.88671 جرام للدولار، فيما عرف بالدولار الذهبي، وتعهدت أمريكا إن الدولة اللي هتعطيها 35 دولار، أمريكا هتعطيها بدالهم "أوقية" من الذهب (خلونا نفتكر إن أمريكا صارت مخزن 75% من ذهب العالم)، وهكذا صار الدولار بديلاً عن الذهب، وصار بإمكان الدول أن تخزن الدولار بديلاً عن الذهب كغطاء لعملتها المحلية، وكنتيجة حتمية صار الدولار هو العملة المعتمدة في التجارة الدولية، سواء القانوني منها كتجارة القمح ولبن الأطفال أو غير القانوني كتجارة المخدرات والسلاح، حيث إنه صار بديلاً عن الذهب.
النتيجة الأخرى للمؤتمر كانت فتح الأسواق للتجارة الحرة وظهور اتفاقية الـ(جات)، وده معناه تدفق السلع والحاصلات والسلاح الأمريكي إلى الأسواق العالمية بمنتهى السهولة واليسر بدون أي عوائق على المدفوعات، وخاصة أنها بعملتها المحلية، ولا داعي طبعاً لذكر تأثير ذلك على قوة الدولة الأمريكية الناشئة.

من نتائج المؤتمر كمان تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للتعمير، وده معناه ببساطة إحكام قبضة "ماما أمريكا" على العالم.

وبالرغم من حضور روسيا للمؤتمر فإنها اتقمصت وقالت مش لاعبة، ده فيلم أمريكاني للسيطرة على العالم، ورفضت الانضمام للبنك الدولي أو العمل بتوصيات المؤتمر، لكنها لم تستطع تعطيل فعاليات المؤتمر أو التأثير عليه.
وهكذا يا سادة صار للعالم قائد جديد يتحكم فيه، وهكذا عرف العالم الدولار كعملة صعبة تساوي الذهب، وهكذا التزمت أمريكا للعالم بتسليم "أوقية" ذهب مقابل كل 35 دولار تستلمهم من الدول أو الهيئات أو حتى تجار المخدرات، وهكذا صارت الدول تخزن الدولار كاحتياطي نقدي يضمن قيمة عملتها واستمرار الحياة لاقتصادها.
طيب، هل استمر الوضع على هذا المنوال طويلاً؟!

الحقيقة لأ، اللي حصل بعد كده حاجة لا يمكن تحصل إلا في فيلم أمريكاني من بتوع الأكشن، أمريكا دخلت حرب فيتنام في الفترة من 1956 إلى 1975 الحرب اللي خرجت منها مهزومة ومكسور نفسها، الحرب دي كانت تكاليفها عالية جداً، وأمريكا احتاجت دولارات عشان تغطي التكاليف، بالرغم من أنها كانت بتمتلك 75 % من مخزون دهب العالم إلا إنه مكفاش من وجهة نظرها، يقوم دماغ الرئيس نيكسون (Richard Nixon) يتفتق عن خطة جهنمية لا يمكن تشوفها غير في أفلام الكارتون، عمل إيه نيكسون؟
قال للشعب إنه هايتخذ قرار يحقق له الرفاهية بدون أي تعب ولا مجهود ولا حروب.
ليه يا نيكسون؟ معاك عصاية سحرية؟ قالك لأ، بس ممكن أطبع دولارات زي ما إحنا عايزين، المطبعة موجودة والورق موجود، والشيطان شاطر.
وفعلاً عمك نيكسون إداها ورق مضروب ودولارات لا تساوي الحبر اللي انطبعت بيه، والعالم نايم في الطراوة وحاطط في بطنه بطيخة صيفي، ما هو الدولار مكتوب عليه (in god we trust) يعني أمان يا معلم.

لكن في سنة 1971 الرئيس الفرنسي " شارل ديجول " بعت 191 مليون دولار لأمريكا وطلب بدالهم دهب، طبقاً لاتفاقية "بريتون وودز" اللي كانت بتنص على إن الدهب يبقى عند أمريكا والعالم يتعامل بالدولار، في مقابل إنها تلتزم بإنها تبدل الدولارات بالدهب، بواقع "أوقية" دهب عن كل 35 دولار.

وأسقط في يد عمك نيكسون، وقال بصوت حزلقوم: هاااار إسوخ يا نيكسون، هو اللي بنعمله في العالم هيطلع علينا واللا إيه؟ أبادله ورق بدهب؟!! ده حتى مش عدل.
تعمل إيه يا نيكسون؟ تعمل إيه يا نيكسون؟ قالك مبدهاش، وفي يوم 19 أغسطس/آب عام 1971 خرج نيكسون على العالم وقال: خلاص، بح، معندناش دهب لحد، من النهارده مفيش مبادلة للدولار بالدهب، الدولار هيتعوم وهيخضع للعرض والطلب، اللي عاجبه يتعامل بالدولار كورقة بتضمنها الحكومة الأمريكية يتعامل، واللي مش عاجبه يشرب من البحر.
وهكذا استفاق العالم على كارثة بكل المقاييس، مليارات من الدولارات متخزنة في البنوك المركزية كاحتياطي نقدي لا تساوي أكتر من الورق المطبوعة عليه، يا إما يتعامل معاها على إنها ورق بدون قيمة ويخسر، يا يقبل الوضع الجديد ويعمل نفسه مش واخد باله، ده غير إن معاداة أمريكا والوقوف قدامها أمر غير محمود العواقب بالمرة، حد ممكن يقول طب ما يفكوا ارتباطهم بالجنيه وكل عملة تشتغل بمزاجها وتغطي نفسها بطريقتها، الحد ده نقوله فوق وصحصح معانا، هو الأسطول الأمريكي المنتشر في بحار العالم يحمي التجارة العالمية بيشتغل ببلاش؟

لكن اللي حصل بعد كده إن الهزة الضخمة اللي أعقبت "صدمة نيكسون" أثرت على الكل، الدولار قلت قيمته 40 مرة من وقتها إلى الآن، والذهب توحشت أسعاره لأنه أصبح سلعة زيها زي أي سلعة بتخضع للعرض والطلب، مش بتتخزن في بنوك، البورصات العالمية انهارت، على سبيل المثال بورصة "لندن" خسرت 73% وانخفض الناتج المحلي من 5.1% سنة 1972 ليصبح 1.1 % عام 1973.

وهكذا صارت العملات عبارة عن ورق لا أكثر ولا أقل، ورق يكتسب قيمته من قوة الدولة التي تصدره، قوتها العسكرية والاقتصادية. ورق يخضع للعرض والطلب، ورق لا يضمن أي شئ ولا أي التزام سوى معطيات السوق في وقت التداول.
نظام غير مفهوم الحقيقة، يصعب على أمثالي فهمه، ولذلك حاولت البحث لعل خبراء المال والاقتصاد يعطوننا تفسير منطقي، فاكتشفت إنهم تقريباً مش فاهمين هما كمان، وده اللي اختصره الكاتب الاقتصادي الشهير (هما بيقولوا إنه شهير) John Kenneth Galbraith لما قال:
(توصف دراسة النقود من بين بقية فروع الاقتصاد بأنها معقدة!! وهذا الوصف للتضليل وإبعاد الناس عن اكتشاف الحقيقة! - حقيقة النقود التي بأيديهم).

في الحلقة القادمة من السلسلة هنعرف تأثير ده على الجنيه المصري، وهنتعرض لحياة الجنيه المصري في عهد رؤساء مصر بداية من "عبدالناصر" وصولاً لـ"السيسي"، انتظرونا في مقال "عزيز قوم".

لقراءة الأجزاء الأخرى من قصة حياة جنيه مصري:

١- الجزء الأول: ابن عز

٢- الجزء الثاني: عنتر ولبلب

٣- الجزء الرابع: عزيز قوم

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.