المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

عالم ولاد شحيبر

تم النشر: تم التحديث:

ملحوظة: هذه التدوينة بها بعض العبارات بالعامية المصرية

أضحى لي ردح من الزمن لم أمسك قلماً ولم أخُط فكرة.. وده تقريباً السبب إني أصبحت أكتب شبه عمرو حمزاوي، كنت أعلم أنه لا مندوحة (دي بقى شبه بتاع يسري فودة) من الكتابة مرة أخرى، لكن متى؟ الله أعلم.

طالت الفترة التي خاصمت فيها القلم، بل وخاصمت فيها القراءة واكتفيت بقراءة الروايات فقط، حتى قابلته: كلب لبرادور أسود غطيس، لسَّه بيبي صغير، لا يزيد عمره على ٣ شهور، ترك جميع مَن بالشاطئ وأتاني يصر على اللعب معي، حاولت أن أهشه، لكنه أبى واستعصم واستعصى (يا دي النيلة السودة).
- يا ابني ابعد عني الله لا يسيئك.
أبداً، راسه وألف سيف لازم يلعب معايا أنا، يا حبيبي أنا متوضية ما تلحسش رجلي، لا حياة لمن تنادي، أغرقني بلعابه، وخلب عقلي بتنطيطيه ولعبه وظرف حركاته.

تذكرت "بروندي" كلبتنا الفقيدة التي قتلتها غيرة الإنسان من أخيه الحيوان؛ "بروندي" كانت كلبة "جيرمان شيبرد" اسمها بسبب ألوانها الغولد والذهبي والبرونزي، تذكرت كيف كانت تكلفنا طعاماً وشراباً وإكسسوارات وطبيباً أكثر من طفل صغير.

بل إن "بروندي" كانت تأخذ حماماً أسبوعياً عند البيطري وبعدها تنشف شعرها بالسيشوار، أي والله بالسيشوار، أنا شخصياً مش فاكرة امتى آخر مرة رُحت الكوافير أعمل شعري.

المهم إن "بروندي" ماتت مسمومة في المزرعة في زيارة للبلد، قتلتها يد الغيرة.
كانت العادة أن نسكن "بروندي" فندقاً خاصاً بالحيوانات الأليفة كلما انتوينا السفر (أيوة فندق حيوانات أليفة - مع خالص الاعتذار لإخواننا اللي بيباتوا تحت كوبري روض الفرج)، لكن هذه المرة قررنا اصطحابها معنا وتركناها في المزرعة مع العمال والمزارعين، وحيث إن الفقيدة كانت بتشرب لبن علب وبتاكل زبادي وريش ولحمة مشوية قدام العمال اللي قاعدين جنبها ياكلوا فول وطعمية وجبنة قديمة، وكانت النتيجة إن أحد العمال قتلته الغيرة فدس لها السم فماتت، وقتها حزنا جداً على "بروندي"، كنا نبكي فعلاً حقيقة لا مجازاً، وكنا نستغرب عبارات السخرية أو ضحكات الاستهزاء من الأقارب والأصدقاء.

كانت جملة "دي راحت ولّا جت كلبة يا جماعة"، كانت العبارة جارحة بكل المقاييس، حتى إننا كنا نستنكر ألا تدفن جثة الفقيدة بشكل لائق، بل إنني أحياناً أضبط نفسي متلبسة بالجرم المشهود وأنا أقول: "بروندي الله يرحمها"، وكأنها إنسان وليست كلبة (راحت ولّا جت).

تذكرت كل تلك المشاعر وأنا أداعب الكلبة اللبرادور السودة التي وقعت في هواي على الشاطئ، وتذكرت كلبة صديقتي اللولو التي أتت لزيارتنا فتركت الجميع وأصرت على اللعب معي، مع أنني كنت أحاول جاهدة تجنبها حرصاً على وضوئي، لكنها كانت تأبى إلا أن تلعب معي.
لا بد أن شيئاً يعجب الكلاب فيّ، يكونش فيّا عرق كلابي وأنا ما أعرفش؟!

ولِمَ لا؟ يا سلام لو الواحد كلب، بس كلب ابن ناس، يعني كلب أفرنجي، مش كلب بلدي مسكين شايف نفس مرار ولاد البلد، وفي الآخر ممكن محافظ السويس يفكر يدبحه ويصدره الصين، أو يقول لك هنقتل أي كلب يفكر في أن يكون عنيفاً، ما تفهمش هو هيقتله عشان يفكر ولّا عشان عنيف؟ حتى الكلاب البلدي منحوسة هنا يا مؤمن.
إنما الكلب الأفرنجي، يا روحي عليه، محظوظ زي البني آدم الأفرنجي بالظبط. باسبوره الأفرنجي حاميه (ابن المحظوظة).
أكل ومرعى وقلة صنعة، أذكر فيما أذكر للمرحومة "بروندي" أنها أول ما شرفتنا نزلت السوبر ماركت واشتريت لحمة مجمدة برازيلي، ريش وستيك وكبدة ، بس الألاطة الأفرنجي كانت واخدة حقها معاها، رفضت رفضاً باتاً تدوق اللحمة المجمدة، و لقيت إني أصبحت أمتلك "فريزراً" (تنوين عشان النحو وكدهون) مليئاً باللحوم البرازيلية، وناديت للشغالة وطلبت منها تاخدها ليها، ردت عليّا رداً أفحمني، وجعل رقبتي "أد" السمسمة: بتديني لحمة الكلبة يا مدام.

وقعت عليّ الجملة وقوع الجمر على الجلد، وأحسست بالوضاعة، ثم تذكرت أن الشغالة أصلاً ما بياكلوش غيرها، عندما تبقى ماشية معاها معدن وما يشتروش لحمة مجهولة المصدر.
فقلت لها: بس إنتو بتاكلوها عادي يا "أم عمرو".
فردت رداً أكثر إيلاماً: ما بنبقاش عارفين إنها لحمة للكلب يا مدام.

المهم أنني أعطيت اللحمة لـ"أم عمرو" تعطيها لمن تشاء، وأنا متأكدة إن "أبو عمرو" أكل يومها كبدة مشوية من بتاعة "بروندي"، المهم إني أكون ما أعرفش إنهم أكلوا لحمة الكلبة حرصاً على كبرياء "أبو عمرو".

كل تلك الذكريات جعلتني أحقد على الكلب الأفرنجي، كائن يحتفظ بمكانته أينما وجد، يأكل أفضل اللحوم ويلبس أفضل الإكسسوارات ويعالج في أفضل الأماكن، حتى عندما يريد أن يتزوج يزوجونه بكلبة أفرنجي من مقامه ويذكرون نسله بالخير باعتباره نسلاً أصيلاً ولم يهجن بكلاب بلدي حقيرة، عالم ولاد شحيبر صحيح (بصوت عادل إمام).

الكلب الأفرنجي يمارس كل الحريات المنصوص عليها في الدساتير البشرية حتى في الدول القمعية، فله حق الغذاء والدواء والفسح ، وغالباً ما يتم استئجار مدرب حتى يعلمه فنون الإتيكيت الكلابي.

لا أحد يسجنه ولا يعتقل حريته بدون وجه حق، ولا يضطهده ولا يمارس العنصرية ضده (العنصرية فقط للكلاب ولاد الكلاب البلدي)، بل إن المظاهرات قد تخرج إذا مس أحد حقاً من حقوقه، مظاهرات تضم لا محالة أشخاصاً لا تتحرك مشاعرهم قيد أنملة لسجن أو تعذيب أو حتى قتل أخيهم الإنسان، المشاعر فقط من أجل أخيهم الكلب البلدي.

تلك هي الكلاب الأفرنجي في وطني يا سادة، حياة لا يجرؤ حتى مواطن في بلادنا على الحلم بها، حياة تجعلك تتمنى أن تكون "شحيبر".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.