المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

ليس بالكبدة نبني مصر

تم النشر: تم التحديث:

ما جانب أبو الطيب المتنبي الصواب قط حين وصف مصر بقوله: "وكم ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبكاء".
تذكرت قوله وأحسست بغصة في حلقي وقبضة على القلب وأنا أتابع مشادة كلامية حامية الوطيس بين مجموعة من سيدات عضوات في صفحة عن الطبخ على فيسبوك.. ولم تكن المشادة عن.. هل يجوز أكل الملوخية إذا لم تصاحب طشة التقلية شهقة أم لا يجوز؟. بل كانت المشادة عن العلاقة بين الكبدة وحب الوطن.. أي والله زمبؤلك كده.

تجرأت إحدى السيدات ووضعت "بوست" تتساءل فيه عن جودة الكبدة التي تبيعها القوات المسلحة المصرية وعن رأي من جربها فيها.. وكانت الطامة الكبرى.. إذ ردت عليها سيدة أخرى متجردة من كل معاني الوطنية، بأن الكبدة رديئة وطعمها سيئ.
وهنا انبرت أخريات للزود عن شرف الجندية المصرية واتهمت السيدة التي اشتكت من الكبدة أنها
"إخوان" أو عميلة.
كنتُ أتابع المشادة بين السيدات وقد فغرت فاهي دهشةً.. وتساءلت: منذ متى كانت الكبدة دليلاً على حب الوطن.
مكارثية الكبدة :
في بداية الخمسينيات ومع اشتداد وتيرة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، أعد السيناتور الأمريكي "جوزيف مكارثي" قائمة ضمت أكثر من مئتي اسم من العاملين في الحكومة الأميركية وبخاصة في وزارة الخارجية، متهماً إياهم بالشيوعية وبأنهم جواسيس للسوفييت وكانت النتيجة ليس سجن هذه الأسماء المئتين فحسب، بل امتدت القائمة ليضار بسببها أكثر من 10 آلاف تم طردهم من وظائفهم والتنكيل بهم، وكان منهم الناشط السياسي الشهير مارتن لوثر كنج والحاصل على جائزة نوبل، وكذلك العالم الأشهر على مدار التاريخ ألبرت آينشتين والكاتب الكبير آرثر ميلر والممثل الشهير تشارلي شابلن.
وما لبثت الصورة أن اتضحت وتم توجيه اللوم للسيناتور مكارثي في العام 1954 من قبل الكونغرس لتوجيهه التهم دون دليل..

مرت حادثة مكارثي لكن بقي مصطلح المكارثية دليلاً على ما يمكن أن يفعله هوس توجيه الاتهامات لفئات مجتعية لمجرد أنها ترى الصورة من زاوية مختلفة.
فكبدة القوات المسلحة هي جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، فإن أعجبتك فأنت وطني مخلص وإن لم تعجبك فأنت مشكوك في ولائك.
وهذا الكلام ينسحب بالضرورة على كحك القوات المسلحة ومقاهي وسينمات القوات المسلحة وكوافيرات القوات المسلحة، كل وإنت ساكت، مش أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق؟ شعوبهم عايشة بدون ملبن وعجمية.

إنه منطق المكارثية يا سادة الذي صرنا نعايشة ونحيا تفاصيله، صرنا نعيش بمنطق "أنت تعترض إذن أنت إخوان"، ومنطق "إذا لم تعرف الجاني فلبسها للإخواني".. منطق جعلنا نخرج من دائرة الحوار المجتمعي الخلاق والنقد الإيجابي، بل والمشاركة في الفعل إلى دائرة محاربة طواحين الهواء وقتال أعداء قد يكونون بالأساس أعداء وهميين، منطق يجعلك ترى الخطأ بل والفساد أحياناً وتخشى أنت تقول للأعور أنت أعور في عينه حتى لا تتهم بالأخونة والخيانة والعمالة. ذاك السكين الذي صار مسلطاً على رقاب الجميع، ولّد الخوف من الاعتراض، ومنذ متى يا سادة كان الخوف دافعاً للإبداع والمشاركة في بناء الأوطان؟

إذا كانت القوات المسلحة أخذت على عاتقها المشاركة في دعم اقتصاد الوطن وشق الطرق وبناء المدن وتقديم الخدمات، أي نعم إنها تربح من هذه المشروعات أرباحاً لا بأس بها خالية من الضرائب والمحاسبة وأي نعم إنها تفتح باب الرزق للمقاولين من الباطن.

لكنني كمستهلك أخير، ألا يحق لي حتى تقييم جودة المنتج؟ وما علاقة حبي وتقديري لجيش مصر العظيم وأفراده -حفظهم الله من كل سوء وسدد خطاهم- وبين أن تكون لي كمواطنة رؤية مختلفة لتنمية الوطن.
إن الجيش لا يدفع أجوراً ولا ضرائب ولا يشتري الأرض التي يقيم عليها مشروعاته ولا يحاسب على المرافق. ثم ينزل بالمنتج بسعر لا يستطيع المستثمر المدني -الذي دفع أجوراً وضرائب وجمارك ومصاريف شتى- معه المنافسة.
وتكون النتيجة وخيمة على المنتج الوطني وعلى المستثمرين.
ما فائدة الحكومة إذا كانت القوات المسلحة تقوم بكل العمل؟

شوفينية الكبدة :
والشوفينية نسبة للعسكري الفرنسي في جيش نابليون "نيكولا شوفان" تعني الوطنية المفرطة العمياء والتي تحمل في طياتها الكراهية لكل ما عادى الفكرة.
فهل بالكراهية تُبنى الشعوب؟ وهل بالضرورة حبي لوطني واعتزازي وفخري بجيش بلادي يمنعني من أن أنتقد ما أراه عيباً بل نقيصة في حق وطني وجيش بلادي؟
ليس بالكراهية يا سادة تُبنى الشعوب.. ولدينا الأمثلة التاريخية على ذلك.
الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا التي بنيت على الشوفينية ودول غرب أوروبا وأميركا واليابان وماليزيا ودبي التي تغذت بروح الحب والرفاهية والتعاون وقبول الآخر، تلك الدول التي أذابت المواطن في منظومة من الحب والاحترام وسيادة القانون والمساواة، فأعطى المواطن ما أبقى من المجهود والإخلاص والحب. هو حب متبادل بين نظام الحكم أيًّا كان من يجلس على الكرسي، فالحب ليس اسماً في تلك الدول وما تنقصهم الأسماء ولا الرموز، لكنهم أعلوا نظام الحب ليسموا فوق كل نظام. فبالحب وحده.. استطعنا جمع 61 مليار جنيه في ثمانية أيام لحفر قناة السويس، وبالحب نزل الشباب للشارع بعد ثورة 25 يناير ليكنس الشوارع ويدهن الأرصفة ويزين أعمدة الإنارة.
بالحب انتصرتْ وعاشتْ مرفوعة الرأس أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية (بالرغم من تعدد أعراق سكانها واختلاف عقائدهم وأعرافهم).. وبالشوفينية انتهت أسطورة الاتحاد السوفييتي وصارت إلى التاريخ.
الكبدة هي الكبدة يا سادة.. فلا البقرة من خلفية عسكرية ولا هي إخوان، بل لعل البقرة أصلاً لا تحمل الجنسية المصرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.