المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

هذا اللص أحبه

تم النشر: تم التحديث:

التكنولوجيا هذا الساحر الذي أبهرنا وما زال.. جلا جلا بصي يا هانم اتفرج يا بيه.. حتة حديدة هاندخلها من هنا هاتخرج من الناحية التانية طيارة وسيارة وموبيل وبلاي ستيشن.
سحر رائع يمكنك امتلاكه مهما كانت إمكانياتك المادية ومهما كان وضعك الاجتماعي.
سحر يجعل حياتك أسهل من حياة ملوك التاريخ.. سحر لوسمع عنه قارون ما خرج على أهله متفشخرا بخزائن أمواله.
لكنه سحر يسحر العقول ويسرق أفكارها ويغسلها ويشطفها ويكويها ويطبقها ويخزنها في المكان الذي يحلو له.

نعلم جميعا أن الإعلام المحايد كالعنقاء والغول لا وجود له.. لكننا تعلمنا في الكليات المتخصصة أن للإعلام أصولا وأن بديهيات الإعلام المحترف هو أن تعرض جميع وجهات النظر وتحاول جاهدا أن تلقي الضوء على جوانب الموضوع، ويبقى على المتلقي أن يفهم ويتفهم الموضوع ويكون وجهة نظر خاصة به تبعًا لتوجهاته الشخصية، لكن التكنولوجيا قتلت حتى هذا النوع من الإعلام الذي يحاول الحيادية.. أصبح تداول المعلومات لا تختص به الجهات الإعلامية المتخصصة فقط.. بل صارت السوشيال ميديا مجالاً خصباً لتداول المعلومات والإشاعات وتوجيه الرأي العام على طريقة يابا يابا ع اللمونة.. وأدي رقصة المجنونة، فصارت حرية تداول المعلومات ألعن من إعلام جوبلز الموجه.. وتحولت المعلومة إلى "قالك".
- قالك حصل كذا وكذا وكذا.
- يا شيخ! هو مين اللي قالك؟ وقالك إمتى وفين وإزاي وإيه الدليل؟
قالك والسلام.. صفحات مجهولة بالمئات.. وأشخاص يروجون المعلومات التي قد لا يكون لها أساس من الصحة.. فتصنع مجتمعا متشككا فاقد الثقة في كل ما حوله ومن حوله.. مجتمعا يفتقد لليقين فيفتقد الولاء.. مجتمعا بلا قدوة.. فكل قدواته أصبحت مجالا للتشكيك عبر مئات وآلاف الصفحات على السوشيال ميديا.

لم تسرق التكنولوجيا الولاء واليقين فقط بل سرقت الصحة.. افتقدنا متعة السير.. كل خطوة يجب أن تخطوها بالسيارة والطيارة والسفينة والقطار أو حتى بالمصعد.. متعة الاكتشاف والمراقبة والتواصل اختزنت وراء زجاج الحافلة التى تقلك أيا كانت.

دفء التواصل الأسري.. صارت العائلة تجتمع ولا تجتمع.. كل فرد غارق في عالمه الخاص الافتراضي.. قبع شيطان التكنولوجيا على كتف كل واحد من الأسرة وقد نوَّمه مغناطيسيا على طريقة فيلم شادية وكمال الشناوي عندما كانت زوزو ماضي تنوم شادية وتقول لها "نافع هو اللي بيحبك وقلبه عليكِ.. إنتي بتحبي نافع".. وهذة حقيقة إلى حد ما.. فنافع فعلا أو مواقع التواصل الاجتماعي هي المكان الذي نسمع فيه دائما الإطراء "يسلم إيدك.. قمرون غزالون يهبلون.. الفستان ها ياكل منك حتة.. الله عليك يا برنس.. باشا ومنور" تعليقات تستطيع الحصول عليها بسهولة ووقتما أردت بعكس العالم الحقيقي الذي قد تفتقد فيه المدح.. حتى المشورة.. فأصدقاء العالم الافتراضي موجودون دائما لتقديم المشورة بعكس العالم الحقيقي الذي انشغل أفراده أو لعلك تخجل فيه من عرض مشكلتك.. كما أنك في العالم الافتراضي غير مجبر بتاتا على الاستمرار في أي نقاش بل يمكنك الانسحاب وقتما شئت.

الخصوصية.. من الأشياء التي ضربت في مقتل.. صارت شبابيك حياتك وأبوابها مفتوحة ع البحري للجميع.. فالجميع في العالم الافتراضي يعلم ماذا تعمل وماذا تأكل وكيف تنام وهل تفضل النوم على جانبك الأيمن أم الأيسر وما آخر كتاب قرأته (غالبا قرأته أونلاين).. ومن مطربك، وحتى حماتك اللي تنشك هي وبنتها ضايقوكِ إزاي آخر زيارة.

المتعة الملموسة.. سرقت التكنولوجيا متعة التذوق.. فلو كنت في حفلة موسيقية فأنت مشغول بتسجيلها بالموبيل.. لو بتتغدى في مطعم فطبعا لازم تصور الأكل.. لو طابخة محشي ولسه نازل من الحلة فأصدقاء الفيسبوك أول من يجب أن يستمتع بالنظر.. فستان جديد أوبدلة فأولى الناس هم أهل السوشيال ميديا بالمشاهدة.. حتى اللعب صار أون لاين.. مفيش استغماية وصلح وكرة شراب وتريك تراك والأولى والنحلة.. أصبح فيه كاندي كراش والمزرعة السعيدة التي تزرعها بإتقان كما لو أنها مزرعة أبوك.

صارت التكنولوجيا سجنا اختياريا حبسنا أنفسنا فيه.. وكتفنا أيدينا وعقولنا بالسلك والشاحن والفيشة .
صار العالم الافتراضي هو الصاحب في الحل والسفر.. بل زاد وأصبح المتحكم الآمر الناهي في العالم الحقيقي.. يقيم الثورات ويقيل الحكام وينصب غيرهم.. عالم استبدلنا فيه المشاعر الحقيقية بمشاعر افتراضية وبحثنا فيه عن دفء افتقدناه في العالم الحقيقي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.