المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

اللي في البزّازات ترضعه الولادات

تم النشر: تم التحديث:

أولادنا "فلذات أكبادنا"، جملة نكررها كثيراً كلما رغبنا في وصف معزَّة أولادنا على قلوبنا، والفلذة هي القطعة، ويكأن الأولاد هم قطع من أكبادنا.

أما لماذا الكبد تحديداً وليس أي عضو آخر؟
الراجح أن ذلك عائد للبابليين، وانتقل للعرب منهم.

فالبابليون كانوا يرون الكبد أهم عضو في جسم الإنسان، وكان عرافوهم يقرأون الكبد (كبد حيوانات القرابين المقربة لآلهتهم)، كما يقرأ العرافون الآن الكفّ، وانتقلت عادة قراءة الكبد منهم للآشوريين واليونانيين، وكان البابليون أيضاً يرون الكبد مركز الإحساس والعواطف، بينما القلب مركز الذهن والعقل.

انتقل هذا المعتقد للعرب، بل زاد البعض واعتبره رمز الحياة، وليس بمستغرب أن نسمع في الخليج العربي والعراق جملة "يا بعد كبدي"، يصف بها أحدهم شخصاً أثيراً على قلبه، أو يخاطب بها أب ابنَه.

فالأولاد هم بضعة من الكبد في الموروث العربي؛ حيث الكبد هو أهم عضو بالجسد وهو رمز الحياة عندهم، ولعل ذلك واضحاً في البيت الشعري الشهير لـ"حطان بن المعلى":

وإنما أولادُنا بيننا ** أكبادُنا تمشي علـى الأرضِ

وأنا كأي أُم أجد أن هذا التعبير -فلذات الكبد- يصف وبصدق مشاعري تجاه أولادي.

أكتب هذا المقال؛ لأنني كثيراً ما تراودني المخاوف وشعور خفي بالذنب أن أكون بشكل أو بآخر قد قصرت في حق أولادي، أو آذيتهم بدافع الحب، وأخشى ما أخشى أن أكون تعاملت معهم كملكية خاصة، أو كقطعة مجوهرات أثيرة أملكها وأحرص عليها وأخاف عليها من الفقد لدرجة قد تحرمني من التزيّن بها أمام الناس، خشية الفقد أو خشية الحسد.

أو أكون وأنا أعتني بها قد تسببت في خدشها أو إصابتها بكيماويات التنظيف والتلميع.

أقول هذا تشبيهاً لا تصريحاً؛ لأن السؤال يلح عليَّ كثيراً، هل حقا أستحق بر أولادي؟

أتذكر حدوتة حكتها لي جدتي رحمها الله، عن شخص محكوم عليه بالإعدام، طلب أن يرى والدته قبل تنفيذ الحكم عليه.

وعندما التقى بها، طلب منها أن تخرج لسانها ليقبله، وبالرغم من غرابة الطلب وشذوذه، وافقت الأم المكلومة ابنها الذي سيشنق بعد ساعات إلى طلبه، وبمجرد أن أخرجت لسانها انقض عليه الابن وقضمه بأسنانه واقتلعه ورماه على الأرض، وظل يصرخ فيها أن لسانها هذا هو سبب حتفه، وأنه هو الذي شجعه طفلاً وهو يسرق البيض من حظيرة دجاج الجيران، وطالبه بسرقة الدجاج، وظل يشجعه على السوء حتى أورده حبل المشنقة.

لا أظن أن حدوتة جدتي لها أساس من الحقيقة، لكنها ترسخت في ذهني طفلة وطاردتني أماً، وأدركت أن لساني وسلوكي هو مورد الهلاك أو مورد الجنة لأولادي.

وكانت جدتي أيضاً كثيراً ما تردد على مسامعي مثلاً شعبياً غريباً، كانت تقول: "اللي في البزازات ترضعه الولادات"، أي أن أولادنا هم نتاج ما نرضعهم، فإن أرضعنا خيراً كانوا أخياراً وإن أرضعنا غير ذلك، كانوا ما أرضعنا.

وكلنا يعلم قصة الرجل الذي أتى الفاروق عمر يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟
قال: بلى. قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟
قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلّمه الكتاب، أي "القرآن".
قال الولد: يا أمير المؤمنين، إنّ أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجيّة كانت لمجوس، وقد سمّاني جُعْلاً أي "خنفساء"، ولم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً.

فالتفت عمر -رضي الله عنه- إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

والرواية بالرغم من عدم ثبوتها عن عمر، إن تغاضينا عن عنصرية وصف الأم تحمل معنى مهماً، وهو أن البر يجب أن يكون متبادلاً، والإحسان يجب أن يسبقه إحسان.

وهناك رواية أخرى تحكي عن أن معاوية بن أبي سفيان قد غضب على ابنه يزيد فهجره، فقال له الأحنف:
يا أمير المؤمنين، أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، فإن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، ولا تكن عليهم قفلاً، فيملوا حياتك ويتمنوا موتك.

والحقيقة أن القصص كثيرة عن آباء وأمهات عقوا أولادهم فضيعوهم أو أحالوا حياتهم جحيماً.
أب قضى عمره يجمع المال، وكرس نفسه ووقته ومشاعره لهذه المهمة، بحجة توفير حياة كريمة لأولاده، فغاب عن أولاده وغيبهم.
أُم تغير أزواجها كما تغير أثوابها، فعاشت لنفسها وملذاتها بينما أولادها تتبادلهم المربيات.

والأمر ذاته على أب انغمس في ملذاته وشهواته، فأحال حياة أم أولاده جحيماً من الشك والإهمال والمرض النفسي، فأحالت حياة أولادها جحيماً، ففقدوا السلام الداخلي وصاروا عقداً نفسية تمشي على أرجل في المجتمع، فضروا وأضروا.

أب يزوج ابنته القاصر من عجوز ثري، في زيجة هي للبيعة أقرب منها للزواج، وأب يزوج ابنه أو ابنته قصراً لسبب ما في نفسه، كشراكة مال، أو طمعاً في جاه، أو تقييداً لحرية.

وهناك ما يعف اللسان عن ذكره من زنا المحارم الذي يجعلك تعتقد أن القيامة يجب أن تقوم غداً، أو قصص أبناء السفاح الملقين في مجمعات القمامة، والزراعات، وأمام دور العبادة أو ملاجئ الأطفال.

هذا غير الآباء الذين يفسدون أولادهم بالتدليل أو بالعنف والتقطير، وغيرها وغيرها من النماذج التي قد تصادفنا في حياتنا أو نسمع عنها، وكلنا لديه قصص من هذا النوع عن آباء وأمهات عقّوا أولادهم.

و على الرغم من أن عقوق الوالد ليس مدعاة بتاتاً لعقوق الابن، فلا ذنب يعلو على ذنب الشرك، ومع ذلك طالبنا المولى برحمته ألا نعق الوالد المشرك بل نصاحبه في الدنيا معروفاً.

إلا أن الطرح لا يزال قائماً منذ بداية الخلق وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وهو أن الوالدين قد يدفعان أولادهما دفعاً للعقوق.

وأن مجرد الأبوة أو الأمومة ليست (كارت أخضر) حتى يبرنا أولادنا، بل هي قصة كفاح طويلة، نبذل فيها الغالي والرخيص حتى نربي أولاداً صالحين مصلحين تقر بهم الأعين، ولا ينقطع عملنا في الدنيا وهم يدعون لنا بعد الأجل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.