المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

عم "علي النجار"

تم النشر: تم التحديث:

هو عم "علي النجار" هكذا كان الناس في البلدة ينادونه، لا أعلم على وجه التحديد إن كانت هذه هي كنيته أم أنها لقب اكتسبه بحكم الصنعة، فعم "علي النجار" كان نجاراً بالفعل، لكنه كان نجاراً من نوع عجيب، أدواته عجيبة وصنعته عجيبة وهيئته التي لا تناسب صنعته أعجب.

كان عم علي النجار يصنع أبواب "عشش الدجاج" وأبواب مخازن المؤن التي يسميها الفلاحون "صفف" وهي جمع كلمة "صفة" بضم حرف الصاد، وأظن اسمها كان يأتي من اصطفافها بجوار بعضها، حجرات طينية على شكل قباب، لا تستطيع ولوجها منتصب القامة، بل لا بد أن تدخلها على يديك وقدميك، ولا يزيد اتساعها عن مترين مربعين أو تقل، وكان الفلاحون يستخدمونها في تخزين المؤن أو منتجات الألبان، ومهمة عم "علي النجار" هي أن يصنع أبواباً لهذه "الصفف"، أبواباً تشبه أبواب القبور، لكنها بمزلاج خشبي عجيب، لا بد أن صنعته هي إرث فرعوني عتيق.

أدواته كانت هي الأخرى كأنها مسروقة من إحدى المقابر الفرعونية، أدوات نجار فرعوني دفنها في مقبرته ليجدها عندما يستيقظ في العالم الآخر، أو لعل "علي النجار" ورثها أباً عن جد حتى جده الأعظم الذي اكتشف النار.

كانت مساميره معظمها خوازيق خشبية، فأسه الصغير يستخدمه في تقطيع جذوع الأشجار وتجهيزها في شكل ألواح، كانت متعتي عظيمة وأنا أراقب ذلك السبعيني وهو يمسك بجذوع الأشجار الثقيلة يقطعها ويجهزها بمجرد فأس ومنشار لا يشبه المناشير إلا في طريقة عمله.

نعم كان "عم علي " عندما كنت أراقبه بالساعات وهو يعمل بلا كلل ولا ملل قد تخطى به قطار العمر محطة السبعين ، بل لعله كان على وشك الدخول في المحطة الثمانينية، بينما كنت أنا ما زلت في محطتي الأولى لا أزال، كانت سنوات عمري وقتئذ أستطيع عدها على أصابع يدي بمهارة طفلة ذكية بدأت تعلم العد.
لكن بالرغم من صغر سني كنت مبهورة بشخصية عم "علي النجار" ذلك النحيل جداً، العجوز جداً، الذي يمشي دائما محني القامة كأنه قضى عمره يبحث عن شيء عزيز ضاع منه في التراب، وما زال يحيا على أمل أنه يجده يوما ما، يداه معقودتان وراء ظهره دائماً إذا مشى، وكأنه يوازن جسده الخفيف الوزن حتى لا تطيره النسمات، لا يبتسم أبداً، يكاد لا تراه يحرك شفتيه بالكلام، يعمل ويعمل ويعمل فقط، مقابل قروش زهيدة أو بضعة "أكواز" من الذرة، أو صاع من قمح.

لكن العجيب وما أكثر العجب عند عم "علي النجار" أنه لم يكن فقيراً، عنده بيت ضخم، لعله أضخم وأكبر بيت في شارعنا، بيت من دورين، قسمه عم "علي النجار" لحجرات متجاورة وقام بتأجير تلك الحجرات لمن يرغ ، كان بيته كأنه نزل صغير أو "بنسيون" بلغة أهل المدن، تسكنه عائلات فقيرة، كل أسرة تسكن حجرة، بينما يؤجر الدور العلوي من المنزل مدرس المدرسة الابتدائية وزوجته.

لم يكن عم "علي النجار" بحاجة للمال، فما يأتيه من إيجار غرفات المنزل يكفيه هو وزوجته العجوز الذي تناهزه العمر ويفيض، لكني لا أذكر أني رأيته قط إلا ويعمل.
كنت أشفق على عظامه النخرة كلما رأيته يعمل، وكلما رأيت زوجته العجوز تشعل موقدها الطيني لتطبخ كل ما رخص ثمنه في السوق.

ومرة سألت أمي: مسكين عم "علي النجار" وزوجته، لو أن لهما أولاداً يساعدونهما على الحياة، ما كانت حياتهما شاقة هكذا.
وسمعت عجباً من أمي، عم "علي النجار" لديه ابنة مسكينة تعمل خادمة في البيوت لتعول أولادها الأربعة، ولديه ابن مسكين يعمل ولا يكاد ما يحصل عليه من عائد يسد به جوعه.

أصابني الذهول وقتها وأدركت أن "تاجر بندقية" الكاتب الأشهر "ويليام شكسبير" لم تكن محض خيال كاتب، وأن عم "علي النجار" ليس إلا شايلوك قريتنا.

سنون مرت وانطوت صفحة عم "علي النجار" وزوجته العجوز ، واستهلت الحياة صفحة جديدة كل الجدة، صفحة خط سطورها أبناء عم "علي النجار"، ورثوا فيها كل ما اكتنزه العجوز وزوجته، وضاع البيت وضاع المال.

بينما عم "علي النجار" يرقد تحت التراب، أظنه غير مستريح في رقدته، أو لعله يساوم الأموات على صنع أبواب القبور مقابل بعض من ريح الجنة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.