المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وفاء نزيه Headshot

صندوق العجب

تم النشر: تم التحديث:

لطالما كان صندوق جدي الخشبي محل انبهاري وباعث دهشتي ومدخلي السرّي لعالم الحواديت.

لا أعلم تحديداً متى اشتراه جدي؟ ولا مَن صنعه؟ بل لعل شيئاً ما في نفسي كان يتجنب السؤال.
فأنا لن أستوعب البتة أن هذا الصندوق الخشبي من صنع بشر، إن بشرية صنعه ستدمر بابي السري لعالمي السحري، عالم الأساطير.

ذلك الباب الذي نسجته بتؤدة، وباهتمام مبالغ فيه، وتفننت في النسج حتى وصل بي الإتقان أو الشطط إلى عالم سيدنا سليمان.
لا بد أن جنّياً مريداً هو مَن صنعه لجدي، لا بد أن الجن كانت تخاف جدي، ذلك المهيب الجليل، وهل يستطيع بشر حفر مثل هذا الصندوق الثقيل الثقيل؟ وكيف لحلقاته الحديدية المثبتة على الجوانب ألا تصدأ ولا تبلى بمرور الزمن؟
لا بد أنها عولجت في مراجل سحرية وخلطت بمعادن لا أرضية، استحضرها الجني من عالم موازٍ، لا نعلم عنه شيئاً.

كان الصندوق الكبير الحجم، المغلق دائماً بقفل حديدي لا يغادر مكانه الأثير بجوار فراش الجد.
وكانت لحظات فتح الصندوق ترتبط دائماً لدي بتسارع في ضربات قلبي، ولهفة لا تضاهيها لهفة للنظر وسبر أغواره، ولطالما سوَّلت لي نفسي أن أقفز بداخله لأستكشف هذا العالم المخفي تحت ذلك الغطاء الثقيل.

كنت أرى الصندوق عميقاً عميقاً، لا أكاد أستبين قاعه، وكانت قامة جدي الممشوقة وجسده العريض يغطي دائماً مجال الرؤية عن عمد، فقد كان صندوقه محل أسراره وكاتم أخباره وصديقه الأثير الذي يرفض أن يشاركه فيه كائناً من كان.

يأخذ جدي ما يريد ويغلق صندوقه سريعاً ويحكم القفل، فيزداد شوقي للنظر وتزداد رغبتي في الاستكشاف، فيبتسم جدي بمكر محبب، ويشتعل خديه من الاحمرار كعادته كلما ابتسم أو مكر، وأزفر أنا آهة خيبة الأمل؛ لأنه لم يترك لي فرصة العبث.

يغلق الصندوق وأتحسسه بانبهار لم يزايلني إلى الآن كلما نظرت له، لا بد أن الصندوق محفور من شجرة عملاقة، فهو حفر لا ألواح مثبتة مع بعضها، ما نوع هذه الشجرة وكم من الزمن استغرقته حتى تنمو لتصبح بهذا الحجم الذي يسمح بحفر الصندوق في جذعها الضخم؟

أسئلة ظلَّت العمر عالقة بذهني، وظللت أتجنب الإجابة عنها، فبعض المتعة أحياناً يكون في عدم المعرفة.

ما زال الصندوق قابعاً في مكانه بجوار الفراش، ككلب حراسة وفيّ فارقه صاحبه، لا أعلم لماذا رأيته آخر مرة أسود، وهو العالق بذهني أخضر دائماً وأبداً.

لا أعلم كيف يبدي الصندوق لونه للآخرين، لكنه يريني دائماً جسداً أخضر وقلباً أبيض ناصعاً، ومهما نظرت ودققت النظر وحاولت عيناي تبين اللون وخزنه في الذاكرة إلا أن عقلي يفشل تماماً غير أن يراه أخضر بقلب أبيض.

لكنني ويا لَلعجب رأيته هذه المرة قد اسودَّ من الحزن فهو كظيم، اكتسى الصندوق بالسواد، رآه عقلي أخيراً أسود اللون كما يراه باقي البشر، تمردت ذاكرتي وحاولت نفض السواد، لكن عقلي صفعها وهزها بشدة، الصندوق أسود اللون، كصندوق الطائرات، يحتفظ بكل سجلات جدي ويدوّنها بدقة متناهية.

أدركت أخيراً أن اللون الأخضر كان من أوراق جدي الكثيرة القابعة في نظام عجيب داخل الصندوق، أوراق يرويها جدي من فيض روحه، ويسلط عليها ضوءاً من نور وجهه، فتقوم بعملية تمثيل ضوئي وتحيا وتخضر ويخضر معها خشب الصندوق.

حتى إذا رحل الجد، رحل بستاني الصندوق، فجفت الأوراق، ومات الصندوق.

طلبت أن أحتفظ به، فسلموني إياه صندوقاً عادياً لا شية فيه، قلبت الصندوق ودرت حوله، كان كتابوت فرعوني غادرته مومياء الملك، جفت أخشابه، واستحال لونه، صار صندوقاً، مجرد صندوق، أما صندوق عجائبي فيبدو أنه رحل مع جدي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.