المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وسام المحلاوي Headshot

ذكرى النكبة.. حاضر مأزوم ومستقبل مجهول

تم النشر: تم التحديث:

في كل عام يحيي الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم ذكرى النكبة، التي بدأت في عام 1948 ومازالت مستمرة حتى الآن.

وهنا لابد لنا من وقفة لنحلل مفهوم النكبة في عام 48 والوضع الفلسطيني الحالي في 2016، وسأسميه هنا مجازاً "النكبة المعاصرة" للشعب الفلسطيني، وقد يتفق معي البعض ويختلف آخرون حول هذا المفهوم.

لا يخفى على أحد مفهوم النكبة الفلسطينية المرتبطة بذكرى عام 48 وتهجير الفلسطينيين من أرضهم إلى أماكن مختلفة في الداخل الفلسطيني والخارج إلى عدد من دول الطوق العربية وغيرها من الدول. وصاحب هذا التهجير العديد من الممارسات القمعية والوحشية في الأراضي الفلسطينية من قبل سلطة الاحتلال، وفي المقابل الكثير من التهميش والتضييع لحقوق اللاجئين الفلسطينيين في أماكن لجوئهم الجديدة.

حيث بلغ أعداد النازحين في عام 1950 (957 ألف فلسطيني) وفق تقديرات الأمم المتحدة في حينه توزعوا على النحو التالي:
الأردن بما فيها الضفة الغربية حينذاك: 506 آلاف.
لبنان: 128 ألفاً.
سوريا: 82 ألفاً.
قطاع غزة: 198 ألفاً.
وتبعت هذه الهجرة هجرات أخرى خاصة في حرب عام 1967.

لماذا سُميت هذه الفترة من تاريخ الشعب الفلسطيني بالنكبة:
لأن الخسارة التي تكبدها الشعب الفلسطيني كانت جسيمة، حيث خسر الفلسطينيون الأرض، وشردت أعداد كبيرة منهم، وتم تدمير أكثر من 500 قرية، وتم إعلان قيام دولة إسرائيل على مساحة واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبعدها تتابعت الأزمات والويلات التي لحقت بأبناء الشعب الفلسطيني منذ تلك اللحظة حتى الآن. فالنكبة لها آثار مازالت ممتدة في واقعنا الفلسطيني، ولها انعكاساتها على الهُوية التي تمزقت بفعل تمزق الشعب الفلسطيني وتوزعه على عدد من الدول، وأصبح على كل فلسطيني أن يعرف نفسه على أنه فلسطيني من أي منطقة تحديداً (غزة - الضفة الغربية - الأردن - لبنان - سوريا - وغيرها). لأن كلمة فلسطيني وحدها أصبحت لا تكفي لتحديد الهوية.

هذه مقدمة سريعة حول ذكرى النكبة وما لحق بالفلسطينيين في تلك الحقبة من الزمن ومازالت آثاره مستمرة حتى الآن.

ونأتي الآن إلى النكبة المعاصرة التي يعيشها الفلسطينيون في عام 2016 وما سبقه من أعوام في الألفية الجديدة، والجديد هنا أن الاحتلال الإسرائيلي ليس وحده المسؤول عن هذه النكبة، بل اشتركت أطراف عدة في إحلالها على أبناء الشعب الفلسطيني.

أولاً: الفلسطينيون أنفسهم

ظل حلم الدولة الفلسطينية والاستقرار يراود الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني، بحيث يعيشون بحرية وبكرامة في حدود دولتهم الجديدة التي لم يتفق الفلسطينيون إلى الآن حول الطريق التي من الممكن أن تؤدي إلى هذه الدولة فانقسمت الساحة الفلسطينية إلى 3 أقسام رئيسية وأخرى فرعية كثيرة.

القسم الأول: هو قسم رأى أن الطريق إلى هذه الدولة لا يكون إلا بالمفاوضات السلمية التي بدأت بمؤتمر مدريد للسلام عام 1991 مروراً بأوسلو عام 1993 ونتج عنها اتفاق غزة أريحا وتطورت شيئاً فشيئاً إلى أجزاء من الضفة الغربية على أمل الوصول إلى دولة على حدود عام 1967. إلى أن عادت هذه الآمال لتضمحل من جديد أمام التعنت الإسرائيلي الناتج عن الضعف الفلسطيني والعربي في فرض أي شيء من الممكن أن يحقق هذه الدولة. حتى نسف نتنياهو هذا التصور بتصريحاته المتكررة في الفترة الأخيرة عن أن الأوضاع لم تعد مهيأة لقيام دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع اسرائيل، والنفي الواضح على لسان عوفير جندلمان في تغريدة له على موقع "تويتر"عام 2014: "لا أساس من الصحة لما قاله الرئيس الفلسطيني عباس حول موافقة رئيس الوزراء نتنياهو على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967".

ورغم هذا التعنت الإسرائيلي الواضح والموحي بفقدان الأمل في تحقيق أي اختراق في هذا الملف، ما زال البعض يراهن على المفاوضات كخيار وحيد للشعب الفلسطيني ويسير فيه بنفس الأدوات والآليات التي لم تحدث أثراً إيجابياً في ما مضى فهل سيكون لها أي أثر فيما هو قادم!

القسم الثاني: اتخذ من النهج المسلح خياراً استراتيجياً من أجل تحرير فلسطين واعتبر أن المطلوب كل فلسطين وليس جزءاً منها، رفض اتفاق أوسلو وما نتج عنه.

وهنا تم تسجيل بداية صراع جديد على الساحة الفلسطينية ولكنه هذه المرة ليس فلسطينياً إسرائيلياً فقط وإنما فلسطينياً فلسطينياً.

أسفر هذا الصراع عن أحداث الانقسام التي وقعت في عام 2007 ونتج عنها حكومتان واحدة في الضفة وثانية في غزة.

وترك هذا الانقسام آثاراً مدمرة على واقع الشعب الفلسطيني وحياته ومازالت آثاره مستمرة حتى الآن.

القسم الثالث: وهو قسم مازال حاضراً في الواقع السياسي بتصريحاته المختلفة والبيانات المتعاقبة التي يعلق من خلالها على جميع الأحداث، لكنه لا يملك أدوات فاعلة على الأرض لكي تمنحه القدرة على ترجمة ما يقول إلى واقع عملي، وهذا القسم يضم عدداً من الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية الموجودة في الواقع الفلسطيني بحكم التاريخ النضالي، والبعض الآخر بحكم الضرورة. حيث إن هناك عدداً من الأحزاب والحركات السياسية أنشأتها ومولتها تنظيمات وحركات فلسطينية لخدمة أهداف محددة بعد ذلك.

ثانياً: المحيط العربي والإقليمي

بداية فلسطينيو الشتات الذين يعيشون نكبة جديدة الآن بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، حيث إن فلسطينيي العراق طُوردوا ولُوحقوا بعد احتلال العراق في عام 2003 وأُجبروا على الهجرة مرة أخرى، ليذوقوا ويلات اللجوء والتشريد من جديد، كما أن فلسطينيي سوريا ليسوا بأفضل حالاً فقد لوحقوا هم أيضاً وتم تفريغ مخيم اليرموك أكبر مخيمات اللجوء الفلسطينية منهم بعد اقتحامه من قبل المسلحين في عام 2012، وتم تهجير سكانه قسراً إلى العديد من الأماكن.

ويظهر من هذه الأحداث أن عملية استهداف اللاجئين الفلسطينيين عملية ممنهجة مدروسة هدفها بدرجة أساسية تفتيت هذه الكتلة البشرية التي مازالت تحلم بحق العودة، للقضاء على هذه المعضلة التي مازالت تؤرق الساسة الإسرائيليين وحلفاءهم، وإسقاط هذا البند بحكم الواقع الجديد في أي عمليات تسوية مستقبلية.

انشغال المحيط العربي بمشاكله الداخلية خاصة بعد الثورات التي ضربت عدداً من البلدان العربية المختلفة، وبقي هذا الاشتباك محتدماً حتى الآن في عدد منها.

ثالثاً: الاحتلال الإسرائيلي

دأب الاحتلال الإسرائيلي على المماطلة في القضايا الفلسطينية المختلفة، واختلاق عشرات المشكلات اليومية للقيادة وللمواطن الفلسطيني. ليصعب مع هذا الكم من المشكلات الوصول إلى حلول جوهرية في القضايا الكبرى كالأرض والقدس وحق العودة والأسرى.

وأشغل الساحة الفلسطينية بالقضايا الفرعية التي برزت على السطح الآن كمعضلات حياتية لابد من العمل على تفكيكها وإيجاد حلول لها في المنظور القريب قبل أن تعصف بالواقع الفلسطيني ككل. وهذه المشكلات أبرزها: حصار غزة - الجدار العازل - مصادرة الأراضي - الحواجز - الانقطاع المتكرر للكهرباء - البطالة - استمرار الانقسام - الصعوبات التي تواجهها السلطة في توفير التمويل اللازم - أزمة موظفي غزة - ضعف البنية التحتية - وغيرها من القضايا.

ونتيجة لما سبق أرى أن جزءاً مهماً من النكبة المعاصرة صنعناه بأيدينا، عندما أوصدت كل الأبواب أمام احتواء الأزمات السياسية الفلسطينية وراهن كل طرف من الأطراف الداخلية على شطب الطرف الآخر من المعادلة. ما أدى إلى انقسام وتيه استمر منذ عام 2007 حتى الآن ما يربو على 9 سنوات ونحن نراوح مكاننا ولا يوجد تقدم في أي ملف من الملفات.

بل إن المعاناة الفلسطينية زادت والتردي هو سيد الحالة، ولا أمل يلوح في الأفق. إلا إذا اعترفنا في البداية بوجود مشكلة حقيقية تهدد المشروع الوطني الفلسطيني وبحثنا سوية على طاولة واحدة ما يمكن عمله من أجل تجاوز هذه الأزمة. وإلا فإننا سنبقى نراوح مكاننا لسنوات قادمة لا نفعل إلا شيئاً واحداً لم يستطعه الاحتلال وهو قتل الأمل في نفوس الأجيال الجديدة من الشباب ودفعهم مرغمين إلى خيارات لن يكون لها الأثر الإيجابي على واقعنا وعلى قضيتنا.

إذن ما الحل
بالتأكيد لا يوجد حل سحري لهذا الواقع الأليم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم، ولكن بالنظر إلى ما تقدم من أسباب نجد أن جزءاً من هذه المشكلة صنعناه بأيدينا - هذا للذي يعلق كل فشل أو إخفاق أو مشكلة على شماعة الاحتلال - بالتأكيد الاحتلال سبب ولكنْ هناك أسباب أخرى يجب الإقرار بها أيضاً والعمل على حلها وهي:

تحقيق الوحدة الفلسطينية، والنسج على منوال واحد. لا كما هو الحال الآن "كل يغني على ليلاه".
تعزيز الثقة بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.

العمل على انضاج برنامج سياسي واحد يتفق عليه الجميع، وتوزيع أدوار العمل فيه على الجهات المختلفة ليصبح التنافس على الإنجاز لا على الإقصاء.
أين الشعب الفلسطيني من السياسة الفلسطينية، لماذا لا يستشار المواطن حول مصيره، لماذا لا يكون هناك آليات واضحة ليدلي الجميع برأيه حول القضايا المصيرية كما تفعل الدول التي تحترم إرادة شعوبها (العودة إلى صندوق الانتخابات لتحقيق الشراكة بين جميع الأطراف وعلى رأسها المواطن الفلسطيني، لتعزيز مبدأ الشراكة لا مفهوم الإقصاء). ملاحظة آخر انتخابات شهدتها الأراضي الفلسطينية كانت في عام 2006. مع العلم أن عدداً من التنظيمات الفلسطينية أجرت انتخاباتها الداخلية خلال هذه الفترة فهل تعتبر الانتخابات الداخلية في التنظيمات الفلسطينية أكثر أهمية من الانتخابات العامة.
تعزيز استشارة الشعب من خلال الاستفتاء على القضايا المصيرية.

عدم التعويل على الوقت في حل المشكلات والقضايا أو تبدل مراكز القوى الاقليمية من أجل تحقيق مكاسب لفصيل أو حزب سياسي، فتجربة الجميع مع الوقت ليست إيجابية والخاسر الأوحد هو الشعب الفلسطيني من كل هذه المهاترات.
عدم الاستقواء بأطراف اقليمية أو دولية من طرف ضد الآخر، لأن ذلك سيزيد الطين بلة ولن يؤدي إلى أي حل في النهاية.
البحث في قضايا ومشكلات المواطنين بهدف حلها، وليس اهمال المواطن كما هو حاصل الآن. فمن هنا تقوى الدولة إذا اشتد عود مواطنيها وانتمائهم لها، وليس العكس.

تشكيل لجان خبراء متخصصة للبحث في انجع السبل لحل المشكلات والمعضلات المتعلقة بالاقتصاد والطاقة وخلافه.
العمل على تحسين علاقاتنا بالدول المختلفة بدءا بدول الجوار.

تشكيل مجلس أو هيئة أو لجنة أو سمها ما شئت، تضم حكماء الطيف الفلسطيني، تكون مهمتها استشارية وهدفها صياغة برنامج سياسي موحد يتفق عليه الجميع ويستفتى عليه الشعب ويصبح عنوانا للمرحلة القادمة.

فقد ارهقتنا الحوارات والمناقشات واللقاءات والجلسات والتصريحات التي لم تتمخض حتى الآن عن حل لمشكلة واحدة ابتداء. فالجميع مختلف على كل شيء. ولا حل يلوح في الأفق إن لم تتحلَّ قيادات الشعب الفلسطيني بالحكمة وتتسلح بالإرادة وتنزل عن الشجرة لتلتقي بنوايا صادقة لتحقيق مصالح هذا الشعب المظلوم منذ عقود، وزاد في ظلمه وألمه المشهد الحالي لقضيته التي تضيع أمام عينيه، وفي نفسه شعور يقول ربما حدث هذا بفعل تعنت بعض القيادات الفلسطينية. فالحاضر والمستقبل لن يرحم كل من تهاون في قضايا هذا الشعب الذي صبر حتى أرهقه الصبر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.