المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وسيم الهلالي نصر الدين  Headshot

اللامنتمي وما بعد اللامنتمي

تم النشر: تم التحديث:

".. إن هناك مَن عَرفوا بغرائزهم أن على الإنسان أن يجد بُعداً جديداً للحرية، ونبذوا العالم في سبيل هذه الحرية، كان المَيْل لنبذ العالم في الماضي قليلاً جداً.. أمّا منذ بدء القرن التاسع عشر، والمَيْل إلى نبذ العالم صار شيئاً يشترك فيه الجميع.." كولن ولسون، من كتابه "ما بعد اللامنتمي".

لفت انتباهي أن عدداً كبيراً من حسابات "الفيسبوك" و"سوند كلود"، للكثيرين من شبابنا العربي وَسَمها أصحابها بـ"اللامُنتمي"، ومن باب الفضول حاولت تفحُّص هويّات بعض تلك الحسابات من خلال صورة "البروفايل"، وبعض العبارات التي يعرفون بأنفسهم من خلالها، فتبين لي أن لافتة "اللامنتمي" تعبيرٌ عام لدى قطاعات متباينة من الشباب العربي، يشمل الليبرالي واليساري، والإسلامي والمسيحي واللاديني، والموظف والعاطل، الذكر والأنثى، المثقف ومن دونه، ومن أقصى المغرب العربي وحتى الخليج العربي.

وقد يرى الراصد لهذه الظاهرة خطراً كبيراً، وقد يكون محقاً في ذلك، وفيها دلالة على أن أكثر النخب لم يعد مقنعاً عند الكثيرين من شبابنا، وإذا كنا حريصين على الاستفادة من طاقة الشباب الجبارة والمؤثرة، فعلينا أن نواجه أنفسنا بأسئلة صريحة ومحرجة، ثم بأن نمتلك شجاعة الإجابة وقبول التحدي ومحاولة طرح حلول وتفسيرات، وهل هذه الظاهرة نوع من المراهقة الفكرية يمر بها الشباب عادة بغض النظر عن جنسيتهم وقوميتهم، أم أنها أزمة قد تؤدي لسلسلة من الانهيارات والضياع والاستسلام للعدمية وفقدان الثقة بكل شيء؟!
ولست أدري هل قرأ كل هؤلاء - أو أكثرهم - كتاب (اللامنتمي)، الذي ألَّفه "كولن ولسون" الكاتب البريطاني وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره، عام 1955م؟
ودفعني هذا السؤال للبحث عن الرَّابط بين مُؤلَّفات شاب بريطاني فقير في ستينات القرن الماضي، وبين الشباب العربي في القرن الواحد والعشرين، فبحثت في إصدارت ولسون، والتي حظيت بجهد لا بأس به من الترجمة للعربية، فوجدت كتاباً آخر له ألفه عام 1963م، وسمّاه "ما بعد اللامنتمي"، وجاء بعد عدد من الإصدارات له حاول من خلالها التنظير لما سمَّاه (الوجودية الجديدة)، فقد رأى في وجودية سارتر وهيدجر تشاؤمية وعجز عن البحث عن المعنى لوجود الإنسان.

ولما قرأت الكتابين، استحضرت ثنائية "الحداثة وما بعد الحداثة"، وعلى الرغم من أن ولسون لم يُصرّح بتعريف أو محاولة لتعريف "ما بعد الحداثة"، إلا أنه نَظّر لها من جهة ما، وإعجابه بـ"نيتشه" -الذي يُنظر إليه كأحد أبرز الدَّاعين لها- يؤكد هذا الانطباع.

فالحداثة صنعتها "الآلة"، التي أجبرت الإنسان الغربي أن يغير طريقة حياته وتصوّراته وأسلوب تعبيره، فالمجتمع الزراعي والرَّعوي البدائي الذي عاش مُلاصقاً للنبات والحيوان وسائر الموجودات، تحول لمجتمع صناعي يقضي مع "الآلة" جُلّ أوقاته، فالآلة تحمله عبر مسافات طويلة، وتساعده في الإنتاج والكتابة والتواصل وحتّى التَّرفيه، كما استخدمها في الحرب كوسيلة للدفاع عن النفس أو لقهر غيره. وأدّى الإغراق في الحداثة إلى تقديس عقل الإنسان الذي هزم المستحيل، وحقق المعجزات، وتلاشى شيئاً فشيئاً الاعتناء بروحه، وتحوّل -في ظِل الحداثة- إلى كائن متوحش، وظهرت النازية والفاشية والرغبات الاستعمارية المحمومة، واستخدام الشعارات الدينية ذريعةً للاعتداء أحياناً، وانتشر القتل وجرائم الحروب وأسلحة الدّمار الشامل.

وبعد ما أفرزته الحداثة من نتائج مُخزية، صارت النُّخبة المفكرة في ورطة، وأصبحت هناك حاجة لأصحاب النزعة الإنسانية أن يدافعوا عن الإنسان المُتطور الراقي، فكان أول ما سعوا له أن تملصوا من كل المُسلَّمات، وكل ما يوصف بكونه "دوجما"، كالدين والأخلاق والأصول والقواعد، ودعوا للتفكيكية والثورة على الأنماط السائدة، وأقرّوا أن الكثير مِمّا يُوصف بأنه من الثوابت، وضعه فئة من الناس ليُحقّقوا مصالح لهم.

وسار تيّار ما بعد الحداثة جنباً إلى جنب التيّار الحداثي، وأحياناً يتقاطعان وأحياناً أُخرى يتباعدان، وهذا التوهان والتعقيد الفكري أحد أسباب غياب المعنى للإنسان، الذي صار غريباً وبلا ملامح محددة، وهنا كانت دعوة ولسون للتأمل، وأن يقوم ذلك "اللامنتمي" باستخدام عقله وخياله ليدرك ما لا تدركه حواسه، وبين أن الدين قد يساعده دون أن يُحدد طبيعة وماهيّة الدين، لكنه أشار إلى حقيقة الدين -من وجهة نظره- وهي الحرية.

وهنا ينبغي ألا نتسرع في الحكم على "ما بعد الحداثة" ونتعامل معها على أنها فلسفة للتحلل والانهيار الأخلاقي بشكل مطلق، فإطلاق حرية الإنسان من القيود المفروضة على عقله وجسده ومشاعره، قد يجعله يصل للحقيقة، وكم من متصوف وعارف بدأ الطريق بالشك والإلحاد!

ورسالة التوحيد التي جاء بها الأنبياء عبر الأزمنة المتطاولة، كان هدفها الرئيسي تخليص الإنسان من الانتماءات الباطلة المزيفة، والمفاهيم المغلوطة المتوارثة، وإعطاء الإنسان كامل الحرية ليختار عبادة الله أو الكفر به، ومن أجلّ الأدلة القرآنية على قيمة الحرية في الإسلام، أن أعظم آية في كتاب الله، وهي آية الكُرسيّ، جاءت متبوعة بقوله تعالى: "لا إكراه في الدين"، فإيمان المُكره لا يُعتدُّ به.

ولست أُشجّع على حالة "اللاانتماء" تلك، بل على العكس فإن الإنسان يستحيل أن يحيا حياة كريمة هنيئة طيبة بلا انتماء، لكن تلك الحالة ضرورية كمرحلة مُؤقتة عند التَّخبط وغياب البصيرة وانتشار القولبة وضبابية الواقع، ولعل عالمنا العربي يشهد تغيرات جذرية وانهيارات قاسية، وتشويه وانعدام ثقة، وإلحاحاً ورغبة في التصنيف والاتهام، فضلاً عن تهميش الشباب الذي تعدّدت أشكال معاناته، وصار القلق من المستقبل الهاجس الأكبر؛ لذلك وضع ولسون لكتابه "ما بعد اللامنتمي" عنواناً فرعياً وهو "فلسفة المستقبل"، وكأنه أراد أن يشير إلى الغاية من كتابه الأول أن يتمكن الإنسان من الانتماء للحقيقة والحرية، بعد أن ينتصر على التعصب والتقليد بالموضوعية والتفكير المتأمل الثاقب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.