المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد بليلة Headshot

ثنائية الفرد والجماعة.. بين التمرد والخضوع

تم النشر: تم التحديث:

يُجمع الكثيرون على أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وأن له ميولاً جامحة نحو العيش ضمن الجماعة، إلا أن مسار تاريخ المجتمعات البشرية يشهد دائماً صراعاً بين الأفراد والجماعة، بين الأقلية والأغلبية، بين الرغبة في التمرد على الأعراف التي تجسّد المنظومة الحمائية للجماعة، وبين الرغبة في فرض السلطة وضمان استمرار الموروثات وترسيخها.

وربما يعتقد البعض أن الجماعة بفضل سلطتها دائماً ما تتغلب على تمرد الأفراد وتنجح في الحد من نشاطهم خارج النمط المتعارف عليه، إلا أن ذلك رأي خاطئ نسبيا؛ حيث إن الأقلية دائماً ما تسعى إلى تفكيك معتقدات وسلوكيات الأغلبية وإعادة تشكيلها من جديد لتخلق أغلبية جديدة، وهذا ما يسمح باستمرار التطور المجتمعي موازاة مع سيرورة التاريخ.

الأغلبية أو الجماعة: الرغبة في ضمان امتثال وخضوع الأفراد

التكوين المجتمعي الإنساني منذ القدم يعمل بشكل لا شعوري على نسج ذهنيات وسلوكيات ومعتقدات جماعية وفق توافقات اجتماعية تنتج سلطة للأغلبية التي تعتبر أن أي دعوة لتجديد تلك الذهنيات والمعتقدات هي تمرد وخروج عن الجماعة وموروثاتها.

تكتسب الأغلبية سلطتها من تماسك العوام أو الجماهير، وتوافقهم حول تفكير جماعي معين، وبذلك يتعزز لديهم إحساس مشترك يشوبه الفخر بالانتماء إلى الجماعة، ويذهب الجماهير إلى التصديق بأن السلوكيات والمعتقدات الجماعية تكون صحيحة بأكملها ولا يمكن التشكيك في صحتها، وهو ما يعكس حسب علم النفس الاجتماعي حالة التأثير التي تصيب العقل الجمعي.

ويحدث عند ذلك انصياع وامتثال للجماعة، حتى إن الفرد يعمل على أن يكون ما يقوم به مقبولاً لدى الآخرين ويلتزم بالحرص على ألا يخرج عن الإطار المتوافق عليه بينهم، وهو ما يؤثر سلباً ويحول دون تحسين السلوكيات والذهنيات وتجديدها، وبالتالي يستمر التقليد والمحاكاة والجمود Conformity وهو ما يعرف في علم النفس بالامتثال أو الإمعية.

منذ النصف الثاني من القرن العشرين خاض مجموعة من علماء النفس دراسات وتجارب على غرار "صولومون آش" التي خلص من خلالها إلى أن الفرد يخضع إلى رأي الأغلبية استناداً إلى سببين:
- أولهما الرغبة في القبول من قِبل المجموعة تفادياً للضغط التي تنتجه عليه، وهو ما يسمى التأثير الاجتماعي المعياري.
- الثاني الرغبة في أن يكون على حق، التي تجعله ينظر للمجموعة على أنها مصدر للمعلومات الدقيقة والموثوقة، وهي المسماة بالتأثير الاجتماعي المعلوماتي.

الأقلية أو الأفراد: التمرد على النمط السائد والشائع

رغم خضوع الأفراد لسلطة الجماعة وما تفرضه من أنماط سلوكية وضوابط لحريات الأفراد، فإن أقلية منهم تخالف ذلك وتخرق نسق ذهنية العقل الجمعي، ويعود ذلك إلى رغبة الإنسان منذ فجر التاريخ في الإبداع والابتكار وتطوير السلوكيات والعادات، حتى قبل أن يخلق توافقاً لبلورة مفهوم المجتمع.

يعتبر الأنبياء والفلاسفة وكبار المفكرين أكثر الأفراد خروجاً على السائد من المعتقدات والسلوكيات التي تنتهجها وتعتنقها الجماعات؛ حيث يقوم هؤلاء بمهمة ابتكار بديل لما هو شائع، ثم محاولة جعل الجماهير يتبنون فكرهم لخلق سائد جديد، وهذا ما يجعلهم عرضة لردود فعل الأغلبية الذين يعتبرونهم خصوماً.

يطلق البعض على الأفراد "الأقلية" لقب "الاستثنائيين"، إلا أن تصنيف الفرد كاستثنائي يستلزم امتلاكه لكفاءات وقدرات تجعله يحطم الأنماط المتوارثة من السلوكيات والذهنيات، ويتحرر من تأثير الجماعة عليه، وهو أمر ليس سهلاً على الإطلاق بالنظر إلى الطبيعة الإنسانية.

وتعد إمكانية نجاح الأفراد في محاولاتهم نادرة الحدوث في فترات حياتهم، وأغلب الأفراد الاستثنائيين ينجحون بعد مماتهم؛ حيث يحاربون وتحارب أفكارهم، ويتم إقصاؤهم وتهميشهم بطرق ذكية تجعل الجماهير -مغيبين- ينعتونهم بالمتمردين الخارجين عن فكر الجماعة الصحيح، وتستثمر الأغلبية سلطتها الاجتماعية، لكي تكيل الاتهامات القاتلة الكابحة لأصوات الأقلية، وقد يتحول الأمر من عنف لا جسدي إلى جسدي كالتعذيب والقتل والإيذاء، ولا ينجحون إلا بعد أن تبدأ أفكارهم في الانتشار شيئاً فشيئاً عبر تلامذتهم وأنصارهم الذي يتقاطرون في الخروج من النسق الأغلبي الجماعي، ثم تتواصل عملية التحول إلى الوصول لمرحلة إعادة تشكيل فكر أغلبية جديد يتأسس على ما اعتبر سابقاً فكر الأقلية.

الحقيقة أن هذا الصراع الثنائي الأقلي - الأغلبي يمكن اعتباره أحد أسباب استمرار التطور المجتمعي وضمان دينامية الأفكار البشرية وفاعليتها في تجديد العادات والنظم والأنساق السوسيوثقافية المتوارثة، والحيلولة دون تجميد الإنتاج الفكري الإنساني

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.