المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد بليلة Headshot

أيها البشر.. دعونا نبحث عن إنسانيتنا المفقودة

تم النشر: تم التحديث:

منذ ظهور الإنسان على هذا الكوكب تكون لدينا تاريخ طويل ومتسلسل من الحروب التي راح ضحيتها مئات الملايين من الآدميين وسحقت بسببها حضارات وشعوب، ولم يكن هذا الصراع الأزلي بين الكائن البشري وكائن آخر مختلف عنه بل كان صراعاً بشرياً محضاً، بين الإنسان وأخيه، ولم تشفع هذه الأخوة والأصل المشترك من أن تسفك الدماء وتخرب القرى والمدن وتدمع عيون المظلومين ويكوى البشر بنيران الآلام والمآسي.

كل هذا التاريخ من الجرائم التي ارتكبها الإنسان ضد أخيه يجعلنا نقف على حجم السلطوية المقيتة والأنانية المخيفة التي تتملكنا نحن البشر.

ربما قد يسترجع القارئ كل تلك القصص التي سمعها وقرأها عن الجرائم البشرية القديمة وتاريخ الحروب منذ الأزل؛ حيث كان يغلب طابع البدائية ومبدأ البقاء للأقوى، ولم يكن لحقوق الإنسان حضور كما هو اليوم.

ولكن في التاريخ الراهن وفي عز التقدم الحضاري الهائل الذي وصلت إليه البشرية، مازالت المآسي مستمرة والجرائم مستمرة، ولنا اليوم في بلاد سوريا خير شاهد على ما سأتحدث عنه.

منذ أزيد من خمس سنين والحرب قائمة، من ثورة شعبية تحولت إلى حرب دامية بين جيوش نظام ومعارضة متفرقة وجماعات إرهابية مسلحة سرعان ما انضافت إليهم جيوش القوى الكبرى التي لا تنتظر إلا ثغرة لتحول أي بلد آمن إلى مسرح للخراب والدمار، لقد خلفت هذه الحرب إلى يومنا هذا، حسب ما يصرح به المرصد السوري لحقوق الإنسان، أزيد من مليونين ونصف ما بين قتيل وجريح.

عدد مخيف يجعلنا نتخيل حجم ما لقيه الشعب السوري المسالم من حملات التقتيل والتهجير والتشريد التي تستهدف بالأساس المدنيين من الأطفال والنساء المغلوبين على أمرهم، وكل هذا يحدث أمام صمت يهز أركان العالم، صمت متواطئ هو الآخر مع هذه الحرب، في انتظار متى يعلن عن نهاية هذه الجريمة.

كان بوسعي أن أتمم الحديث عن جريمة الحرب في سوريا، لكن استحضارها جاء في معرض حديثي عن جرائمنا نحن البشر ونزعتنا الأبدية إلى التقتيل والوحشية ضد بعضنا البعض.

في سورة البقرة الآية 30، يذكر الله -عز وجل- محاوراً الملائكة عن استخلاف آدم في الأرض:
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ"، من هذه الآية الكريمة يتبين لنا أن الملائكة كانوا على علم -كما علمهم الله عز وجل- بأن خليفة الله في الأرض سيعيث مفسداً وسيسفك الدماء فيها، وقد صدق قول الملائكة من بعد ما استخلف الله الإنسان.

إن كل ما ينقصنا نحن البشر هو السلطة، وبكل تجلياتها، لكي نفرغ كل ما يتملكنا من أنانية وسلطوية تكون بداية القضاء على الإنسانية التي خلقنا لحفظها؛ حيث تكون بمثابة دافع قوي نحو نزوعنا المستمر إلى التوحش والظلم واستضعاف بعضنا البعض وبسط جبروت الشر في هذا العالم.

يجعلنا امتلاك السلطة في أغلب الأحيان نبتعد عن الفطرة الإنسانية النبيلة وكل ما يدور في فلكها من تواضع، وتعايش، وسلم، ومحبة، ورحمة وغيرها من الخصال التي تحيي الصدق في النفس وتزكيها.

ونقترب نحو الطغيان والظلم واضطهاد وإرهاب الآخرين، والمثير أن الإنسان مهما بلغ من ارتكاب صنائع الشر، فإنه يظل يعتقد أن ما يفعله ليس سوى خدمة للخير والصلاح وهذا يتجلى تحديداً في عقليات أشهر الطغاة والجبابرة من بني البشر.

لكن حتى لا يظن القارئ أنني متشائم من طبيعة الإنسان الذي يمتلك سلطة، سواء كانت جاهاً أو مالاً أو ديناً، فإني متعلق إلى حد بعيد بنماذج إنسانية فريدة استطاعت أن تجمع بين السلطة رغم نزعاتها والفطرة الإنسانية النبيلة الخالصة، ولعل أبرز هذه النماذج التي أستحضرها الآن، نموذج عمر بن عبد العزيز الذي يحفظ المسلمون الكثير من مواقفه الراسخة في الأذهان، والتي تحمل معاني عميقة عن الإنسان الذي جمع بين السلطة والحكم وفضائل الإنسانية، وهناك قصة أوردها ابن الحكم في كتابه "سيرة عمر بن عبد العزيز" - ص 44:

كان عند عمر بن عبد العزيز قوم ذات ليلة في بعض ما يحتاج إليه، فغشي سراجه، فقام إليه فأصلحه، فقيل له:
"يا أمير المؤمنين، ألا نكفيك؟ قال: وما ضرَّني؟ قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز".
كنت وما زلت دائم الاعتقاد بأن أعمق الناس إنسانية هم أولئك العارفون بالله مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم، أولئك الذين يستوعبون الرسالة الإلهية والغاية من استخلاف الله للإنسان الأرض لإعمارها، هؤلاء هم الوحيدون الذين تجدهم ينبذون الحرب وما تجره على البشر من الآلام، ويدعون إلى السلام والتسامح والمحبة وروح الأخوة الصادقة بين الإنسانيين كافة بمختلف أجناسهم وأعراقهم ومعتقداتهم.

لهذا أختم بالقول: أيها البشر.. دعونا نبحث عن إنسانيتنا المفقودة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.