المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد بليلة Headshot

حراك الريف المغربي.. هدوء بعد العاصفة؟

تم النشر: تم التحديث:

تعلمنا من سيرورة التاريخ أن الأحداث والوقائع التي قد نعتبرها من الصدف العارضة والعابرة- غالباً ما تتطور وتتراكم لتصنع أحداثاً فاصلة وتكتب ملاحم حاسمة في تاريخ الشعوب، وكذلك كانت حادثة يوم الجمعة 28 أكتوبر/تشرين الأول 2016 التي ستبقى خالدةً في أذهان سكان مدينة الحسيمة شمال المغرب.

حادثة مأساوية أججت مشاعر السخط الخامدة في النفوس، حيث خلفت مقتل بائع السمك محسن فكري، الشاب الثلاثيني، بعد أن شفطته شاحنة أزبال، في مشهد تراجيدي هز المغرب بأكمله، ومنذ تلك الحادثة التي مر عليها أزيد من 8 أشهر والحسيمة تشهد حراكاً احتجاجياً مستمراً، محوره مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية في منطقة ذات حساسية تاريخية بالنظر إلى تراكمات العلاقة المتوترة التي كانت تجمعها مع السلطة المركزية-الرباط.

حيث عانى الريف عقوداً زمنية من صنوف التهميش والإقصاء الممنهج في عهد الحسن الثاني، لم يُكسر نسبياً إلا مع وصول الملك محمد السادس إلى سدة العرش، حيث قام بزيارة، هي الأولى من نوعها، للحسيمة وأطلق طيلة السنوات الماضية مجموعة من المشاريع فيما اعتبر بمثابة مصالحة مع تراكمات عهد والده في علاقته مع المنطقة.

لقد عرف حراك الحسيمة طيلة الـ8 أشهر الماضية تطورات ومتغيرات استقطبت اهتماماً واسعاً، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، من خلال التغطية والمتابعة الإعلامية التي حظي بها، ويُحسب لهذا الحراك طابعه السلمي وقوة تنظيمه ونجاح قيادييه في ضمان استمراريته بذلك الزخم النضالي الكبير، واللافت أيضاً أنه كان نتاج جماهير شعبية دون أي تأطير حزبي أو نقابي.

برز من خلال هذا الحراك إلى ساحة الرأي العام، اسم ناصر الزفزافي- الشاب الذي يعتبره المحتجون قائد الحراك وزعيمه، وهو الذي سرعان ما أحاط نفسه بشهرة منقطعة النظير بحكم الدور الكبير الذي لعبه عبر نجاحه في قيادة الآلاف من الحسيميين وغيرهم من أهل الريف في أشكال نضالية راقية، وتميز هذا الشاب بكاريزميته وقوة خطابه ومصداقيته عند المحتجين.

ورغم أن الحراك لا يرتكز على مطالب سياسية ذات أهداف انفصالية مقيتة؛ بل يقتصر فقط على ملف مطلبي يهم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ أي إنه يستهدف تحسين الواقع المعيشي للساكِنة وإيجاد حلول جدية لمعاناة المنطقة كباقي المناطق المغربية المهمشة.

والملاحظ أن المنطقة رغم المشاريع التي أقدمت عليها الدولة لا تزال تعرف تأخُّراً على مستوى التنمية الحضرية؛ إذ لا تمتلك بنية تحتية ملائمة في منطقة جبلية وعرة التضاريس، كما أنها لا تتوفر على العديد من المرافق العمومية الضرورية لخلق تنمية بشرية، فعلى سبيل المثال تفتقد المنطقة أي مؤسسة تعليم عالٍ جامعي؛ وهو ما يخلق صعوبة لدى أبناء المنطقة الراغبين في متابعة الدراسة الجامعية، لذلك يضطر غالبيتهم إلى الانقطاع عن الدراسة ليجدوا شبح البطالة في انتظارهم، حيث تنتشر في صفوف الشباب بنسبة مرتفعة مقارنة مع باقي المناطق المغربية التي تعرف رواجاً اقتصادياً.

زيادة على ذلك، تعتبر منطقة الريف من أكثر المناطق التي ينتشر بها مرض السرطان؛ جراء القنابل الكيماوية التي قُصفت بها في أوائل العشرينات من القرن الماضي على يد الإسبان ضد مقاومة الريفيين؛ ويطالب المحتجون بإنشاء مستشفى لعلاج السرطان كخطوة لإنهاء معاناة المصابين الذين يضطرون إلى التنقل إلى الرباط أو فاس أو طنجة لتتبع مراحل العلاج المكلفة جسدياً ونفسياً ومادياً، أما اقتصادياً فالمنطقة المطلة على البحر المتوسط لا تتوفر على معامل أو وحدات صناعية من شأنها خنق بطالة الشباب وخلق دينامية اقتصادية؛ إذ تتركز معظم الاستثمارات بمدينة طنجة دون غيرها من مدن الشمال والريف.

لقد قمت باختصار أبرز المشاكل التي تُعتبر أساس أهداف الحراك وملفّه المطلبي الذي خرج المحتجون من أجله وعملوا على تأكيده في كل مسيرة من مسيراتهم؛ رداً على الاتهامات التي قذفتها بهم وسائل الإعلام الموالية للدولة، بل حتى الأغلبية الحكومية في بداية الأمر خرجت إلى العلن لتتهمهم بالانفصال وخدمة أجندات خارجية، قبل أن تتدارك موقفها وتتراجع عن موقفها المثير للجدل بعد مسيرة 18 مايو/أيار الضخمة والتي أكد فيها عشرات الآلاف تشبُّثهم بسلمية حراكهم وانتماءهم للوطن.

حدث المسيرة جعل الحراك من أكثر الأحداث تداولاً على مستوى الإعلام الدولي والوطني، وأصبح يحظى بتغطية إعلامية مهمة وباهتمام كبير من الرأي العام المغربي والأجنبي أيضاً، حتى إننا رأينا المسيرات التضامنية منتشرة في المدن المغربية والمدن الأوروبية.

إلا أن المثير في هذا الحراك هو ردود فعل السلطات الأمنية والتي وُصفت بالعنيفة، حيث غلبت المقاربة الأمنية على أي خطوات للحوار مع المحتجين، وتعرضت المسيرات لقمع شديد، خصوصاً بعد النجاح الذي أعقبته مسيرة 18 مايو/أيار؛ إذ تكثفت الاعتقالات لتتجاوز -حسب السلطات- 120 معتقلاً، فيما يتحدث نشطاء الحراك عن أعداد تتجاوز 200 معتقل، تعرض معظمهم -حسب التصريحات التي نقلها المحامون إلى الصحافة- للتعذيب والتعنيف، أبرزهم القيادي ناصر الزفزافي ورفاقه.

وأثارت هذه المقاربة الأمنية العنيفة انتقادات في أوساط المغاربة، الذين يعتبرونها رِدة حقوقية وتراجعاً عن المكتسبات التي أقرتها الدولة في دستور 2011 والمواثيق الدولية والتي تقضي باحترام حقوق الإنسان وعدم قمع الاحتجاجات السلمية.

اليوم، وبعد اعتقال أغلبية قادة الحراك ونشطاء، والتطورات المثيرة التي شهدها الحراك والتي أضحت تهدد صورة الوطن دولياً على المستوى الحقوقي- هناك تحرك من طرف الدولة لإنهاء القضية عبر رسائل وإشارات للتهدئة، آخرها ما خرج به المجلس الوزاري برئاسة الملك -الذي عبر عن استيائه وقلقه مما عرفه هذا الملف- وهو فتح تحقيق بخصوص المسؤوليات المترتبة عن تفجر الاحتجاجات، وهي خطوة إيجابية لن تتعزز إلا بالإفراج عن المعتقلين كافة ومباشرة حوار مع نشطاء الحراك وقيادييه إلى أن يتم إيجاد حلول جدية للمطالب الاجتماعية والاقتصادية.

ولا بد من الإشارة إلى أن الحراك يجب اعتباره بمثابة منبه للدولة لتعيد مراجعة النموذج التنموي الذي تتبناه والوقوف على الخلل الذي يعتريه، عبر الإنصات إلى المواطنين والتوقف عن الممارسات العنيفة وتعزيز آليات حماية حقوق الإنسان في بلد يعرف تحولات ودينامية مجتمعية ملحوظة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.