المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وليد بن خليفة Headshot

مالك بن نبي أديبًا

تم النشر: تم التحديث:

في محاولة منّي لعقد صلح مع القراءة خلال عطلتي الوجيزة، قررت في خضمّ فوضى حياتي الصَّاخبة، أن أستردّ سحر القراءة يستنطقُ صمت أوقاتي. لكنّي في واقع الأمر كنت متردّدًا في اسم الكتاب الذي له القدرة على سحبي بقوّة إلى عالم الجمال والمتعة الإبداعيّة، منتشلاً إيّاي من أغوار انشغالات الحياة اليوميّة التي لا محالة لا تكلّ من تعميق مشاكلنا مع القراءة !

فليكن، وقع الاختيار إذًا على روايةٍ لمالك بن نبي اسمها لبيك : حجّ الفقراء. نعم، أنا لست مخطئًا، مالك بن نبي لم يكتف بنشر كتبه الفكريّة القيّمة، بل له روايةٌ تُضاف لإنتاجاته الأخرى. وكبداية، إن كان الأمر يبدو حافزًا لإكمال قراءة ما سأكتب الآن، صدقًا، ليت الرّجل واصل كتابة الرواياتِ !

لمّا أخبرني صديقٌ أنّه من الممكن أن يُعيرني رواية لمالك بن نبيّ تعجبت حقيقة وأخبرته أنّي لا أعرف أنّ لديه روايات، فقد عرفناه فيلسوفًا ولم نسمع به قطّ أديبًا. ولمّا نتحدّث هنا عن الأدب فإنّنا نقصد بالدرجة الأولى الأسلوب الأدبيّ بخصائصه الفنيّة، أمّا الفكرة فقد تتقاطع الفلسفة مع الأدب في أفكار عديدة؛ وفي واقع الأمر أرى الأدب مزيجا من كلّ شيء.

ولذلك من المنطقيّ التفلسف في عمل أدبيّ، لكن ما لم أتوقعه من مالك بن نبيّ هو الكتابة بروح كاتب وليس بروح فيلسوف، لهذا توقعت في بادئ الأمر أنّ روايته ستكون ككل تلك الروايات المملة -في نظري- التي تعج بالفلسفة فتقضي على الروح الأدبيّة نظرًا لاستبعاد تقنيات السّرد والوصف وغياب جماليات الأسلوب الأدبيّ ما يجعل النّص أقرب منه للمقالات الفلسفيّة للجنس الأدبيّ، وإن كان البعض يتذاكى قليلا فيعتمد على هيكلة محدّدة لجنس أدبيّ معيّن فيكون إنتاجه أدبيًّا في شكله وفلسفيًّا بحتًا في مضمونه، لكنّي في الواقع لا تغريني سوى الأعمال الأدبيّة التي يسحرنا فيها الكاتب بالجمع بين فلسفته والأسلوب الأدبيّ بتقنياته الجماليّة وهذا بالتحديد ما أبهرني في عمل مالك بن نبيّ.

تدور أحداث الرواية أثناء الاحتلال الفرنسيّ للجزائر، في وقتٍ كانت فيه الثقافة الفرنسيّة هي السائدة، بعد طمس الثقافة الإسلاميّة ومحاولة تشويه الموروث الثقافي الإسلاميّ للجزائريين، لكنّ الكاتب لم يذكر بالتحديد إطارها الزّماني في حين حدّد مكان الرواية التي انطلقت من مدينة بونة وهي الاسم القديم لمدينة عنّابة الجزائريّة في الشرق الجزائري الذي ينحدر منه هذا المفكر الفذّ. ما يشدّنا في البداية هو توظيف مالك بن نبي لأفكاره الفلسفيّة التي اطلعنا عليها في كتبه في هذه الرواية، لكن الجميل في كلّ ذلك أنّ مالك بن نبي يتجرّد من لباس الفيلسوف البحت ويلبس رداء الأديب الفنان، فيبثّ الحياة في فلسفته من خلال استعمال الخيال الأدبي والعاطفة التي هي من أهمّ عناصر العمل الأدبيّ. الرواية بما أنّها في نسختها الأصليّة مكتوبة بالفرنسيّة، في واقع الأمر جسر للتواصل بين ثقافيتين ويتضح هذا أساسًا في حوار يدور في طيات الرواية بين مسلم مثقف وملحد فرنسيّ؛ لذلك حرص مالك بن نبي من بداية النّص أن يشير إلى أنّ القارئ المتوقع ليس بالضرورة مسلمًا، فبدأ روايته بالحديث عن ركن إسلامي لا يخفى على أيّ مسلم هو الحج. لكنّه طبًعا لم يتحدّث كإمام أو مرشد عن الأمر بل كأديب فيلسوف إذ تناول جوانب نفسيّة للحج لا ينتبه إليها إلاّ فطن فيلسوف، تختفي في أعماق النّفس البشريّة.
لحدّ الآن لم تبدأ الرواية، ربما الحديث عن الحج كان مجرّد مقدّمة لها، لأنّ بطل الرواية إبراهيم سيذهب في رحلة حجّ تأتيّ بعد تجربة روحيّة عميقة تغيّر حياته وتحوّله من سكيّر إلى حاج. ما يعلق في الذهن من قراءة الرواية، أنّ مالك بن نبي دائمًا يركز على المجتمع مثلما يحدث الأمر في كتبه الفلسفيّة، فنجده يستعمل كلمات كثيرة من التراث الشعبي الجزائريّ ويتحدّث عن تفاصيل كثيرة تميّز المجتمع الجزائريّ وعقليته ما يدلّ على انتماء الكاتب إلى المجتمع الجزائريّ الشّعبيّ البسيط.

قصّة إبراهيم بدأت بتوبته وقراره بين ليلة وضحاها أن يقوم بالحجّ، بعد أن انهارت حياته الاجتماعيّة وخسر كلّ ما يملك بسبب طيشه وانحلاله. إبراهيم يمثل الشّخصيّة الجزائريّة التي تجاذبها قطبان خلال فترة الاحتلال الفرنسيّ للجزائر، القطب الأكبر القوّي هو الثقافة الفرنسية والمادية والقطب الآخر هو الموروث الإسلاميّ. كغيره من شباب جيله، وجد إبراهيم نفسه يتخبّط في غياهب الضلال والفساد، دون عائلة، بعد أن خلعته زوجته، ودون مأوى بعد أن طرده جيرانه من البناية التي يسكن فيها، لكنّ إبراهيم ما لبثَ أن عاد يومًا إلى رشده بعد أن جمع شتات ما تبقى في أغواره من موروث إسلاميّ، فاستجمع قوى فطرته وعاد إلى أصله. لقد اختار الكاتب اسمًا من عمق الموروث الإسلاميّ، فإبراهيم أحد أنبياء الله تعالى وقد وقف ضدّ الضلال ودعا إلى سلك سبيل الرّشاد والمتتبع لأحداث الرواية يلحظ دعوة إبراهيم بطل الرواية بعد توبته إلى الخير، فقد تحوّل ذلك السّكير الطائش إلى مصلح اجتماعيّ يزرع بدور الخير في مجتمعه، ولن يتضح هذا إلاّ بعد لقاء إبراهيم بهادي ذلك الطفل المشرّد الذي لم يعرف معنى الأبوّة إلاّ مع إبراهيم، فقد لقن إبراهيم المبادئ التي تعلمها عن الإسلام على بساطتها لذلك الطفل البائس الذي ركب خلسة في الباخرة المتوجهة للبقاع المقدسة، ليحوّله بمساعدة بعض مرافقيه في الباخرة من طفل شقيّ إلى إنسان صالح فعال وإيجابيّ في الباخرة. لكأنّ مالك بن نبي يبني في الباخرة جمهوريته الخاصة كما يتصوّرها، يتحوّل فيها المجتمع إلى المربّي الحقيقي للفرد ولا يمتلك الفرد قيمة إلاّ في مجتمعه والعكس صحيح. فلا يمكن الحديث عن فرد دون الرجوع للمجتمع، كما لا يمكن الحديث عن مجتمع دون التركيز على العنصر الأساسيّ في بنائه الذي هو الفرد. بعد أن اندمج الطفل هادي في مجتمع إسلاميّ صالح، لم يحتج لرعاية والديه، بل إنّ وظيفة التربية هنا تعدّت الوالدين للمجتمع، فمالك بن نبي يطمح إلى إنشاء مجتمع تحكمه المبادئ السمحة والأخلاق النبيلة، ما يجعله يؤثر لا محالة إيجابا على الفرد. يرمز هادي إلى الجيل الجديد من الجزائريين آنذاك، الذين زُرعت فيهم مبادئ الإسلام من قبل الصالحين في مجتمعهم وبدوره هادي سيربّي بمبادئه جيلا جديدا من الجزائريين المتشبعين بثقافتهم الإسلاميّة والدّاعين إليها.

لقد رسم مالك بن نبي في روايته المجتمع الذي يطمح إليه، مقدّما فلسفته في حلّة أدبيّة منمّقة شملت جميع عناصر العمل الأدبيّ من لغة وفكرة وخيال وعاطفة. فقد جمع بين الروح الفلسفيّة والروح الأدبيّة الإبداعيّة، ما جعل روايته تحمل أبعادًا عديدة يمكن مناقشتها من نواح عديدة وقد تكون الرواية من أكثر الأعمال التي لم تحظ بما يكفي من الدراسة والتّحليل، فكما تمّ إهمال درر الرجل الخالدة في الفلسفة فلا عجب أن تذهب محاولاته الأدبيّة أدراج الرياح ولا تنال حقها من الدراسة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.