المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

نحو فلسفة جديدة للتحالف الدولي

تم النشر: تم التحديث:

إن المتابع لكثير من التحركات الدولية والإقليمية بين مختلف دول العالم قد يمكن أن يعبر عنها بأنها في حالة البحث عن هوية (جمعية) ذات بعد واحد وفي مسارات متعددة.

وطبيعة العلاقات الدولية في هذه المرحلة تشير إلى أن هنالك محاولات لصناعة تحالفات استراتيجية، ولكن هنالك من يرى بأن من الصعوبة بمكان صناعة تلك التحالفات الاستراتيجية حتى تتسنى مراجعة ذاتية لتقييم التحالفات السابقة وأثرها وتأثيرها في التحالفات الجديدة؛ كون الضلوع في أي تحالفات جديدة قد يكون غير ملائم للمرحلة الراهنة كون الكثير من المؤشرات الميدانية تؤكد أنه ينبغي دراسة التحالفات الجديدة التي تتطلب القيام بالعديد من الإجراءات وفقاً لسياسات مبنية على فلسفة تبدو بأنها ملائمة لما يُسمى فلسفة التحالفات الدولية وعلاقتها بالمستجدات الراهنة والمتغيرات في النظام العالمي؛ لأن كل دولة مهما بلغ حجمها ودورها السياسي والاجتماعي في حالة ترقب لما يُمكن أن يُشكل أداة لبلورة فكر جديد أو فكر يتماهى مع استنتاجات التحالفات السابقة.

فالنظام العالمي يبدو أنه في حالة عدم استقرار (شكلي) حول العديد من الأساليب التي يمكن اتخاذها كنماذج أشبه ما تكون بـ(الفاست فود) (FAST FOOD) على الرغم من ماركتها العالمية غير أنها قد لا تتلاءم مع بعض المجتمعات، فحالة الفوضى الناجمة عن محاولة إيجاد توازن للقوى من شأنه أن يُوجد إشكالية في التعرف على ماهية الأدوار المطلوب التعامل معها في سياقات معينة أو محددة بحسب المستويات المرحلية، ولذلك تلجأ بعض الدول إلى اتخاذ أسلوب يتسم باستيعاب الفكرة أو الخطوط العريضة للتوجهات الدولية، والتي غالباً ما تكون نابعة من الاحتياجات الوطنية على المستويات المحلية، والتي تتم بلورتها في سياقات إقليمية لتكاد تكون أقرب إلى الفهم والإدراك لماهية تلك الفكرة أو الخطوط العريضة التي تحدد مسارات تلك الفكرة، التي لا بد أن يكون هنالك رؤية أو فكر نابع من تيار فلسفي أو اجتماعي أو حتى مذهب سياسي أو اقتصادي ليحدد طبيعة التغيير في النظام العالمي.

فحالة الفوضى التي رافقت هذا النظام منذ عقود من الزمن لا يمكن إعادة إنتاجها دون أن يكون هناك حاجة ماسة لمراعاة التراتبية السلطوية ودراسة النظم السياسية ذات الصلة بالتركيبات الاجتماعية في حالة تبدو بأنها ديناميكية لسياقات محلية ووطنية تُلقي بظلالها على هوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي الذي لن يكون بمعزل عن الأطر الثقافية والاجتماعية والتاريخية، ولذلك قد نجد أن حالة الشعور تلك تتجه صوب تصويب الأخطاء واستدراك المفاهيم والمصطلحات التي يتم استيعابها في حالة أخرى ماثلة في الشعور بخطر التهديد والتي قد تفقد الهوية كسلوك وممارسات اجتماعية العديد من مضامينها إذا لم يتم التمازج بين تلك الحالتين لتفرز قضية جديدة أو مسلكاً سياسياً أو مدخلاً اجتماعياً أو نسقاً فكرياً أو مجالاً أدبياً أو أنثروبولوجياً؛ ليعبر عن رؤية جديدة مغايرة (1) مبنية على دراسة واقع أقرب ما تكون إلى "سوسيولوجيا الشعوب وسيكولوجيتها الثقافية والسياسية " التي قد تتماهى مع نظمها المحركة لعجلة التغيير والتطوير المنشود في مختلف المجتمعات.

وبتعدد المراحل التي تشهدها العديد من الدول، ولا سيما تلك التي تواجه تحديات تبدو بأنها شكلية مثل مصطلحات السيادة، والأمن القومي، ومعضلة الأمن والتقدم التكنولوجي والنووي، في مقاربة مع التيار الأنثروغرافي (التاريخي) والتي قد تجعل من تلك المصطلحات متقادمة وغير ذات صلة بركب الحداثة أو التحديث، ولذلك قد نجد عنواناً من الحداثة إلى العولمة بمعنى أن الحداثة سابقة للعولمة؛ لأنه كما يبدو أنها حالة تماهي الجديد مع القديم؛ ليتسامى الفكر في التراكم المعرفي والرصيد الإدراكي للمتغيرات.

ولذا قد نجد أن ملف إيران النووي هو بمثابة توجه نحو إعادة إنتاج دور العراق في البحث عن "برادعي جديد"، فيما يتعلق بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل، والتي أشار إليها المفكر فوكاياما- الأميركي ـ من أصل ياباني بأن هنالك ثمة ضرورة للتحرك الدولي للشرق الأوسط ومواجهة نشوء قوة عسكرية (افتراضية) كما هو الحال في العراق، والذي تراجع عن مواقفه واصفاً إياها بأنها من الأخطاء الاستراتيجية لسياسة الخارجية الأميركية، وعلى الرغم من انسحاب القوات الأميركية من العراق غير أنها جعلت من التوجهات الرئيسية للنظام الدولي في مرحلة إيجاد فلسفة جديدة تحت مسمى فلسفة التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، أليس في ذلك تكرار عقلاني لمواجهة الإرهاب في نظام جغرافي وسياسي غير مغلق بل بإمكانه التوسع والتغلغل في كثير من السياقات للبحث عن بدائل متاحة لكيانات قد تبدو بأنها لم يعد بمقدورها التعامل مع أفكار جديدة تخص التعبئة الفكرية للعديد من التحالفات السابقة.

وكأن ذلك مدعاة لإيجاد صراع من نوع مختلف تحت مبررات طائفية وعرقية وإثنية، وتستخدم فيها مصطلحات اجتماعية وسياسية وادبية من البيئات الاجتماعية الحاضنة لتلك التحالفات من خلال صيغ فئوية وجهوية عبر خرائط (ذهنية)، تفاعلية ومتجددة للتركيبة الاجتماعية، كما أن اتجاهات الرأي العام سواء داخل تلك الدول أو حتى التي ترتبط معها في سياقات لتحالفات سابقة قد يكون لها ذرائع أخرى للبحث في ماهية الفكر والجوهر وفلسفة المرآة (2) التي يمكن أن تعطى بعداً اجتماعياً وثقافياً لمنظومة جديدة قد تتعارض مع الأفكار التي لم يتم التسويق لمتطلباتها في ظل وجود قوى سياسية واجتماعية تستقوي بالخارج، وتعمل إلى إعادة سيناريوهات وفبركات إعلامية قد يشعر البعض بأنها تجافي الواقع، لكنها في حقيقة الأمر تدنو منها في حالة جديدة ماثلة في فهم ماهية الفوضى في النظام العالمي الجديد والتي قد تدنو من واقعية أو متخيلة فلسفة المرآة (3) في خضم أزمات الشرق الأوسط ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وفي ظل جدلية "والحال أنّ سؤال مَن الذي ينتمي إلى الشعب؟ وسؤال متى يُتطلَّب من أقليّة ما إثبات ولائها للشعب، هما سؤالان مركزيّان للنقاش. إنّ كونك مُحاصرًا في مكانة الأقلية يعني أنك واقعٌ في نطاق الخطر"!

(1) تشيرُ صبا محمود في كتابها إلى الخوف من الإسلامويّة في أوساط الأقباط والليبراليّين واليساريّين بعد الفوز الانتخابيّ لرئيس الإخوان المسلمين في عام 2012. ويجدر بنا التشديد على أنّ هذا الخوف مربوط بمشروعٍ ما. إذ كما لاحظ عالم الاجتماع حازم قنديل، "فقد دافعَ المثقفون الليبراليّون واليساريّون منذ أمدٍ عن علمنةٍ تامّة للثقافة المصريّة، ساعين إلى إقناع النّاس بإبعاد الدّين إلى المجال الخاصّ، أو على الأقلّ إلى تنحيته جانباً عندما يتّخذون القرارات السياسيّة. وقد شعرَ الكثيرون منذ الثورة أنّهم يحوزون الآن السلطةَ الأخلاقيّة (moral authority) للضغط على هذه القضية بإحكام". بمعنى آخر، يجب إجبار النّاس على أن يكونوا أحراراً -ومن ثمّ ضَبْطهم من قبل الدّولة لضمان أن يظلّوا أحراراً.

ليس الإكراهُ والحريّة بمتناقضين بأيّ معنى بسيط. ومن غير الواضح لي ما يمنح المثقفين العلمانيين "سلطتهم الأخلاقيّة" لإعادة تدبير حياة شعبٍ بأكمله وفقًا للمعايير العلمانيّة بالقوّة، إلّا أنّه كان من الواضح للعلمانيين المُكرَّسين بأنّهم لن يستطيعوا القيام بهذا الدّور دون مساعدة الأجهزة القسريّة. وبالتالي، أدّت بهم هذه المطالبة بالسّلطة الأخلاقيّة إلى الاستغاثة بالجيش (بموافقة من وزارة الداخليّة والقضاء ونخبة رجال الأعمال) ليس للدفاع عن "الأقليّات الدينيّة" ضدّ التمييز الاجتماعيّ والاضطهاد الحكوميّ ببساطة، وإنّما للقضاء على أقليّة دينيّة (الإخوان المسلمين) كان قد نجحَ مرشّحها الانتخابيّ في الانتخابات الوطنيّة. إنّ أنظار قنديل موجّهة على روسيا الثوريّة والصين، حيث، كما يشير باستحسانٍ، أمكنَ لكوادر الحزب أن ينتشروا في كافّة أرجاء البلاد واجتثاث التشكّلات القديمة والمتخندقة. "لكن، يلاحظ قنديل، طالما أنّه ليس هناك حركة ثوريّة تسدّ الفراغ، فإنّ احتكار المعارضين دون استملاك تنظيمٍ لإبعادهم إنّما يجمّد الثورة في موقف المطالبة فحسب، ومن ثمّ يجمّد الأمل في الأفضل".

لقد قدّم الجيشُ نفسَه، بالطّبع، باعتباره التنظيم المناسب لهذه المهمّة. لكن سواء أأمكن المثقفون العلمانيّون استخدام هذا التنظيم لضمان مشروعهم العلمانيّ الديمقراطيّ أمّ لا، فإنّه لم يُمنح تفكيراً مُتأنياً على ما يبدو. والنتيجة: تمّ تشجيع الجيش للاضطلاع بفعل خيانة ضد الرئيس المنتخب وسُمّيَ هؤلاء الذين احتجّوا ضدّ الانقلاب "أقليّة خطيرة". إنّ "الشعبَ" في ديمقراطيّة مُكرّسة هو أيّ أحد ولا أحد، على الرّغم من أنّ عناصر محدّدة جداً يمكنها القيام بالمطالبة بتمثيله وبحمايته ضدّ هؤلاء الذين يخونونه.

يتحدّث الصحفيّ المصريّ حلمي النّمنم (وزير الثقافة الآن)، بعد فترة وجيزة من الانقلاب الذي عُزِّزَ بعنفٍ جسيم ضدّ المتظاهرين المؤيدين لمرسي، قائلاً: "لم تتقدّم ديمقراطيّة أو مجتمع من قبل دون إراقة الدماء". لقد عُقدت الكثير من الاجتماعات، إسلاميّة ومسيحيّة، حول هذا الموضوع في القاهرة. إذ إنّ التصفية الجسديّة للأعداء، بحسب النّمنم، أمر ضروريّ لتحقيق الشعب كلُحمة علمانيّة. ويصرّح النمنم بأنّه "علينا التخلّص من الكذب بأنّ مصر دولة دينيّة بطبيعتها؛ لأنّ مصر دولة علمانيّة بالفطرة". ويكرّر النمنم، كوزيرٍ في الحكومة، هذا الادّعاء في لقاءٍ تلفزيونيّ في بواكير 2015 مشدّداً على أنّ "الإسلام السياسيّ" كان مسؤولاً عن "الإرهاب والتطرّف في مصر". وعندما أراقتِ الدّولة الدّمَ فإنّما اعتُرف بفعلها كقضاءٍ على الخائنين لا بدّ منه. وهذا هو الحافز (أو بالأحرى هذه المطالبة بحافزٍ "علمانيّ") الذي يُبرّر عنفَ السيادة ضدّ المواطنين الذين تدفع الخيانةُ عنفَهم (الحقيقيّ أو المزعوم) -لا سيّما أنّه خطير بسبب كونه دينيّاً. وبالطبع، ليس التقاء السياسات المُمأسَسَة مع التحفيز الفرديّ أمرًّا هيّنًا، كما أثبتت صبا محمود باقتدارٍ. إذ إنّ مشروع التعبير عن إرادة الشعب لتتمّ مجابهته دائماً ببواعث الخيانة. والخائنون هم بالضرورة أقليّة -ومن هنا يمكن الاشتباه في الأقليّات بتغذية الخيانة. وحينما يسعى الناس إلى الإطاحة بحكومتهم، فإنّهم الأغلبيّة بالتعريف -لحين هزيمتهم من قبل قوى الدّولة. من مقالة (الأقليّات والقانون والدولة الليبراليّة) طلال أسد: ترجمة: كريم محمد.

(2) وهذا الفلسفة مدعاة للتأمل في هذا السياق من منظور (فني) "أنا أعتقد أنَّ الوطن أمرٌ شخصي جداً، لقد تعلَّمت من فيلم فلاسر أنَّ الوطن فكرة إشكالية، وبالتالي قد تكون خسارتك لوطنك شكلاً من أشكال التَّحرر؛ فبخسارتك له تبدأ سعيك لإيجاد وطنٍ جديد؛ وبالتالي تجربة جديدة؛ فالوطن لم يُعد يُعرّف بأنَّه الأصول أو الإقليم؛ بل من المُمكن أن يتمثَّل في كتابٍ جيد، أو حوار، أو نشاط مألوف، أو نشاطٍ تعاوني، أو تجربة جديدة، قد يبدو هذا شاعرياً جدا وغير واقعي؛ لكن هكذا تبزغ الأفكار الجديدة" - (سغفريد زيلينسكي).

(3) وفي ذلك ما أشار إليه عالم الاجتماع العراقي / علي الوردي بأن التكتم الذي نلتزمه في نزعتنا الطائفية أخطر علينا من الإفصاح والتظاهر فالطائفة تمسي في نفوسنا بمثابة العقد الدفينة أو هي تمسي بالأحرى مرضاً نفسياً.

* للتأمل:
"- لو اختفت روسيا من على الخريطة فمن الممكن إعادة رسم هذه الروسيا عن طريق قصص تشييخف"!.
- الفكرة القصدية من ضوء الشمس تكمن من تنوع الأشياء التي يضيئها كفلسفة البريق وهي على الأقل في اللحظة الراهنة، فلسفة تجعل من هذا البريق المرايا المتعددة لتأمل الجوهر والماهية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.