المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

هل نحن بحاجة إلى بناء تصور جديد للعلاقات بين الدول والأقليات ؟

تم النشر: تم التحديث:

هل باستطاعتنا هنا أن نرى حجم الإحراجات المنطقية باستكشاف الأساليب الرئيسية التي استخدمتها المفوضية العليا للأقليات (HCNM) وغيرها؟ للربط بين المسار الأمني ومسار المعايير القانونية، لتأكيد فكرة أن لدى أعضاء الأقليات القومية "الحق في مشاركة فاعلة" في الشؤون العامة، لا سيما المسائل التي تؤثر فيهم، ويمكن أن نرى هذا المنظور على أنه لا يزال يقدم إطاراً معيارياً واضحاً يقوم على الحقوق.

إن فكرة المشاركة الفعّالة تلك ليست جديدة، فقد كانت موجودة بالفعل في إعلان كوبنهاغن الأصلي في العام 1990 التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE).

والواقع أنه كان على أساس هذا المبدأ أن جاء الإعلان بتوصية الحكم الذاتي الإقليمي، وقد تم الدفاع عن الحكم الذاتي للأقلية بوصفة وسيلة جيدة لتحقيق مشاركة فعالة، فقد أسقطت الإعلانات الأكثر حداثة، مثل إعلان الاتفاقية الإطارية لحماية الأقليات القومية (FCNM) عام 1995م الإشارة إلى الحكم الذاتي الداخلي، لكنها أبقت على الالتزام بالمشاركة الفعالة (في البند رقم 15).

والواقع أن الإشارات إلى المشاركة الفعالة أصبحت أكثر ظهوراً، على سبيل المثال، أصبحت الموضوع المركزي لمجموعة حديثة من التوصيات التي قدمتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا باسم (توصيات لوند Lund حول المشاركة الفعالة للأقليات القومية، التي تبناها عام 1999).

إن فكرة الحق في مشاركة مؤثرة وفعالة هي فكرة جذابة لعدة أسباب، لكنها، فيما يبدو، تعيد إنتاج المشكلات التي واجهها إطار العمل الأوروبي الحالي لحقوق الأقليات بدلاً من حلها.

وأحد الأسباب التي تجعل هذه الفكرة جذابة هو أنها تبدو ديمقراطية بشكل يثير الإعجاب، فضلاً عن ذلك فإنها تتجنب المفاهيم الشكلية للحق في "استمتاع المرء بثقافته"، وهي تعترف بأن الأقليات لا تريد الحديث بلُغتها فقط أو ممارسة ديانتها في حياتها الشخصية فقط، بل هي تريد كذلك المشاركة كمواطنين متساوين في الحياة العامة.

الحق في مشاركة فعالة ومؤثرة يعترف بهذا البعد السياسي لتطلعات الأقلية وطموحاتها، في حين أنه يتجنب الأفكار "الخطيرة" و"الراديكالية" لتقرير المصير الذاتي القومي.

ومن منظور النظرية المعيارية، فإن لهذا المنطق ميزة إضافية هي تجنّب خطر أن تصبح الجماعات أساسية.

إن كلاً من "حق استمتاع المرء بثقافته" و"حق تقرير المصير الذاتي الداخلي" يقومان فيما يبدو على افتراضات الطابع المتأصل للأقليات القومية، يُلمح الأول إلى أن لمثل هذه الجماعات "ثقافة" مشتركة ومتميزة تسعى إلى المحافظة عليها.

أما الثاني فهو يُلمح إلى أن لها "هوية قومية" متميزة ومشتركة تسعى إلى تقديمها من خلال الحكم الذاتي، ومع ذلك فنحن نعرف أن مثل هذه الجماعات ليست متجانسة داخلياً.

ومن المحتمل أن يختلف أعضاء الجماعة حول أنواع التراث الثقافي الذي يرغبون في المحافظة عليه، والمدى الذي يرغبون من خلاله في أن يظلوا متميزين ثقافياً عن المجتمع الكبير، كما أنه يحتمل كذلك أن يختلفوا حول طبيعة هويتهم القومية، أو نوع الحكم الذاتي الذي يحتاجون إليه لحماية تلك الهوية.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن القبول بالحق في الثقافة أو الحق في تقرير المصير يبدو كأنه حكم مسبق لهذه المناقشات الداخلية، وانحياز إلى أولئك الذين يجادلون من أجل تميز ثقافي أكبر، أو حكم ذاتي قومي أكبر، كأن "الثقافة" أو "القومية" سمتان ضروريتان لا يمكن الاستغناء عنهما عند هذه الجماعات بدلاً من أن تكونا مطلبين.

وهذا النوع من المخاوف أثاره مفكرو ما بعد الحداثة، وكذلك أصحاب النظريات النقدية، كأساس لرفض عملية جعل حقوق الأقليات جوهرية دستورية، وتبنّي حقوق أقلية إجرائية خالصة بدلاً منها، كضمانات المشاركة والاستشارة، وهذه الحقوق الإجرائية تتجنب القيام بافتراضات جوهرية حول تميز ثقافة الجماعة وحدود هويتها، فالحق في مشاركة فعالة ومؤثرة يسمح لأعضاء الجماعة بتطوير مطالب الثقافة القومية، لكنه يتطلب أن تُبرر هذه المطالب من خلال عمليات ديمقراطية مقصودة بدلاً من أن تكون مبررة من خلال معايير دستورية أو قوانين دولية متفق عليها سلفاً.

ومع ذلك، فإن السبب الرئيسي الذي يفسر شعبية المشاركة الفعالة المؤثرة إلى هذا الحد هو غموضها وخضوعها لتأويلات عدة متضاربة، وبالتالي إمكان أن يقبلها الناس الذين لديهم مفاهيم مختلفة جداً للعلاقات بين الدولة والأقلية.

وبهذا المعنى فإن الإجماع الظاهر على أهمية المشاركة المؤثرة الفعالة يخفي، أو يؤجل، الاختلافات العميقة حول ما يعنيه ذلك بالفعل.

أما إذا تناولنا حرفياً مصطلح المشاركة الفعالة فسوف يبدو أنه يعوق هذا الموقف للأقليات القومية بوصفها أقلية سياسية على نحو دائم، وعلى أي حال فإن المشاركة "الفعالة" تشير إلى أن المشاركة ينبغي أن يكون لها تأثير وفاعلية، وأن تغير المشاركة النتيجة.

إن الطريقة الوحيدة لضمان أن تكون مشاركة الأقليات مؤثرة بهذا المعنى في داخل المجتمعات المنقسمة هي تبنّي قواعد مضادة للأغلبية تتطلب شكلاً ما من أشكال المشاركة في السلطة، وقد يتخذ ذلك شكل الحكم الذاتي، أو ضمانات توافقية لقيام حكومة ائتلافية.

وهكذا نجد الصعوبات السياسية والمفاهيمية التي تتمحور حول صياغة الحقوق القانونية في ظل أبعاد تأويلية تتضمن مسارين متوازيين؛ أحدهما يختص بالمعايير الدولية، والآخر يتعلق بالأمن الإقليمي.

فهل نحن في المرحلة الراهنة بحاجة إلى إطار مفاهيمي جديد في ظل ما يُسمى "ملء الإطار"؟ أم أن كل منظور للمعايير القانونية يبقى معلقاً في الهواء، غير مؤثر سياسياً، وغير مستقر مفاهيمياً، وإذا تحدثنا من الناحية الصورية فإنه يبقى موجهاً، لكنه بطريقة معينة، وعند مستوى فلسفي محدد، في سياق التحولات الدولية والإقليمية؛ حيث يكمن التوتر بين المعايير القانونية العامة والموجهة، ونتائج أو آثار التدخلات في الحالات الخاصة، والتي ينبغي لها أن تتبنى أو تفعل معيار "التنفيذ التدريجي".

ووفقاً لهذا المعيار سوف نتوقع من البلاد المعنية أن يطلب منها تنفيذ تفسيرات قوية للعديد من النصوص في الاتفاقية الإطارية.

وما يعد تنفيذاً كافياً لمعايير الاتفاقية الإطارية فيما يتعلق بحقوق اللغة والمشاركة الفعالة، ولذلك أعتقد تحديداً في أن يصبح وضع اللغة الرسمية أو الفرعية أو المحلية -لغة الأقلية وثقافتها- والحكم الذاتي الإقليمي من متطلبات الاتفاقية الإطارية باستثناء عندما تظهر الأقليات استعدادها وقدرتها على تقويض الاستقرار والأمن ضمن محاولات تقنين هذه الحقوق.

أما عن المشاركة الفعالة فنحن بحاجة إلى أن نسأل "مشاركة في ماذا؟"، وبذلك نجد أن المفاهيم المختلفة للدولة ولدت مفاهيم مختلفة لما هو مطلوب بالنسبة للمشاركة الفعالة.

وكثيراً ما يكتب المحللون كما لو كان مبدأ المشاركة يمكن أن نلجأ إليه لحل المنازعات عن طبيعة الدولة، ولكن الواقع أننا نحتاج أولاً إلى حل هذه المنازعات قبل أن نتمكن من تطبيق المبدأ.

وإلى يومنا الراهن فإن النزاع الأساسي عن طبيعة الدولة يُحل في أوروبا ما بعد الشيوعية عن طريق القوة، لا عن طريق المبادئ.

وعندما تستولي الأقليات على الحكم الذاتي تُفسر المشاركة الفعالة كمساندة للدولة الفيدرالية و/ أو المشاركة التوافقية داخل الدولة متعددة اللغات ومتعددة القوميات.

فبينما تعمل حجج تصحيح المظالم التاريخية في الغرب على تقوية مطالب الأقلية لتوزيع أكثر عدلاً للحقوق والموارد بين الأغلبية والأقلية، فإنها قد تستخدم في بلدان ما بعد الشيوعية لإضعاف قضايا الأقليات، بل للتشكيك في شرعية وجودها.

أما المثال الصارخ فهو القرن الإفريقي؛ حيث ساعد كل بلد من بلدان المنطقة بشكل فعال الأقليات المتمردة في البلدان المجاورة كوسيلة لزعزعة الاستقرار عند جيرانها، وما نجم عنها من تحديات بالنسبة للجهود الحالية لجعل إثيوبيا اتحادية.

أما عن "خطاب حقوق الأقليات" فقد قدم بورديو وكوانت نسخة أكثر دقة للحجة التي تقول: إن الانتشار العالمي لهذا الخطاب هو جزء من "دهاء العقل الإمبريالي"، وذهبا إلى أن الأميركان اشتركوا في "تصدير الفئات العلمية الأميركية عالمياً"، وفرضوا بذلك "مفاهيم شعبية" خاصة واعتبروها "معياراً عالمياً" لكفاح كل الجماعات المضطهدة بسبب اللون (أو الطائفة)، وبالتالي فقد أسسوا للولايات المتحدة ضمنياً لأن تكون نموذجاً للمجتمع الحديث الذي، وبالتالي، ينبغي أن تحذو حذوه جميع المجتمعات الأخرى.

ويمكن للمرء أن يجد أمثلة حيث يشير المسؤولون الأميركيون إلى أن التعددية الثقافية وحقوق الأقليات هي اختراع أميركي، وعلى سبيل المثال، ستروب تالبوت نائب وزير الخارجية في عهد الرئيس كلينتون قال ذات مرة: "إذا كان هناك سلام بعد الحرب الباردة في أوروبا فيجب أن يقوم على مبدأ الديمقراطية المتعددة العِرقيات.. والولايات المتحدة واحد من الأمثلة الأولى والعظيمة لهذا المبدأ... ومن مصلحتنا أن تسود الديمقراطية متعددة العرقيات بشكل مطلق".

ولكن في الواقع النماذج التي قدمتها المنظمات الدولية، سواء في أوروبا ما بعد الشيوعية أو عالم ما بعد الاستعمار، لم تستمد أساساً من التجربة الأميركية، ولم تعتمد على "المفاهيم الشعبية" الأمريكية. ذلك أن مفهوم "الأقليات القومية" (*) على سبيل المثال ليس له جذور في التجربة التاريخية الأميركية أو الثقافة الأميركية.

عندما سألت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أعضاءها من الدول أن تحدد التشريع الذي يسمح بحقوق الأقليات القومية، جاء رد وزارة الخارجية الأميركية أنه "من غير الواضح ما إذا كان مفهوم "الأقليات القومية" كما هو مفهوم في السياق الأوروبي ينطبق على ظروف الولايات المتحدة الأميركية".

أما في المجتمعات العربية والإفريقية، فمن الواضح أن هنالك اعتقاداً على نطاق واسع بأن القوى الاستعمارية قد خلقت بالفعل إحساساً بأن هناك جماعات عرقية متميزة داخل المستعمرة، وحولوا بشكل مصطنع مجموعة الهوايات المتداخلة المنسجمة إلى "قبائل" و"شعوب" متميزة كجزء من استراتيجيات "فرّق تسُد".

وفي ظل هذه الظروف قدمت المبررات لقمع هويات الأقلية أحياناً على أساس أن هذه الهويات كانت نتائج غير أصيلة للتلاعب الخارجي، وأن سياسات الدمج والاستيعاب تقوم ببساطة بعكس هذا الظلم التاريخي.

وهنا تكثر هذه الظاهرة في تلك البلاد وغيرها التي احتفظت فيها الأقلية بسلطتها حتى بعد الاستقلال، نتيجة لنقص الديمقراطية - كما هي الحال في سوريا ولبنان بعد الحرب الأهلية، ورواندا، وجنوب إفريقيا العنصرية، أو العراق في عهد صدام حسين.

ففي هذه البلاد استخدم الحديث عن "حقوق الأقلية" كتبرير لاحتجاز السلطة غير الديمقراطي من قِبل الأقلية المتميزة.

وعلى ضوء ما سبق، يكمن التساؤل الأبرز: هل نحن بحاجة إلى بناء تصوّر جديد للعلاقات بين الدول والأقليات؟ من منظور المجتمع الدولي "الاتفاقيات الدولية" والنماذج والممارسات والمفاهيم التي بُنيت عليها التجارب الدولية والإقليمية والعالمية المشار إليها أعلاه، أم يجب أن ننظر إلى المعايير الدولية كأرضية يتم من خلالها التفاوض على حقوق الأقليات، وليس كسقف ينبغي على الأقليات عدم السعي إلى تخطيه؟!

(*) ويبدو نتيجة لذلك أن الطريق العملي الوحيد الذي يمكن اتباعه لتوسيع نطاق الحماية الدولية لتشمل جماعات الغجر أو المهاجرين إنما يكون من الباب الخلفي، أي بجعلها مناسبة للخطة الموجودة من قبل لحماية الأقليات في أوروبا، والموجهة أساساً إلى فئة الأقليات القومية، ما دام أنه من غير الواقعي أن نتوقع تبني أي بنود جديدة بشأن حقوق الأقليات في المستقبل المنظور، ولما كان إطار العمل الأوروبي الوحيد الموجود لحقوق الأقلية موجهاً إلى الأقليات القومية، فعلى أي جماعة تريد أن تُحمى أن تجد طريقاً يؤهلها لكي تكون أقلية قومية، وكثيراً ما يقال إنه فيما يتعلق بأولئك الذين يمسكون بالمطرقة فقط، فإن كل شيء يبدو كأنه مسمار، وبالمثل، إذا كانت الأداة الوحيدة لحماية الأقليات في أوروبا تستهدف الأقليات القومية، فسوف تبدو عندئذ كل أقلية كأنها أقلية قومية.

للتأمل:
"يمكن للحضارة أن تزدهر من جذور كثيرة. يمكن للآلهة أن تحمل أسماء كثيرة.. لا أحد منها يملك المفتاح. ليس ثمة أي شعب مختار "فوسكو مارايني.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.