المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

هل توجد خريطة فكرية جديدة للمنطقة العربية؟!

تم النشر: تم التحديث:

يقع كثير من المفكرين في شَرك التنظير واعتباره داء يحتاج إلى أدوات إجرائية عابره للمكونات المجتمعية، لتحول ذلك الفكر إلى سياقات أكثر قرباً من واقع قد لا يُعبَّر عنه في إطارات نظريه أو حتى إجرائية؛ بل يُعبَّر عنه من خلال تصورات استباقية من منظور تأملات وتوجهات جديدة، بحيث تُقدم تقييماً نقدياً للقضايا المثيرة للجدل (*)، وتطرح من خلالها أسئلة فلسفية عن إمكان تجاوز الحدود اللسانية والثقافية، وعن ملاءمة وكفاية التواصل بين الثقافات، والذي قد يتعارض أو يتفق مع المتطلبات الاقتصادية والقيم الاجتماعية في المجتمعات العربية.

ولذلك، نجد محاولات وضع "أجندة ثقافية" للمنطقة العربية بحيث توجد بوتقة واحدة للمواءمة بين التنوع الثقافي والتفسيرات السياسية ضمن الحدود الفاصلة بين الفعل والنظم الاجتماعية؛ لكي يتضح أن ما يحدث هو إعادة تغيير مسارٍ وسط النخب في الوقت الذي قد ينخفض فيه التعريف بالأحزاب على مستوى عامة الشعب.

ومن هنا، ينبغي تفعيل دور مؤسسات الضبط الاجتماعي الرسمية وغير الرسمية وعلاقتها بآليات التغير السياسي والاجتماعي، التي قد تنحو باتجاهين رئيسيين؛ هما: التغيير عبر الانقلابات العسكرية واستخدام القوة، أو عبر التغيير الدستوري والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي، وعلاقة ذلك بالتغير الديموغرافي ضمن حدود الحد الأدنى من الخيال السياسي، خلال مراحل متعددة لأنظمة الحكم المتعاقبة، وقد تكون فيه حالة الانقسام الأساسي/السياسي أحد التكتيكات وليس الغايات.

فبينما يسعى جميع الإسلاميين نحو إقامة دولة ومجتمع إسلامي، فهم يختلفون في كيفية تحقيق ذلك، ويميل المعتدلون نحو تأييد أسلوب "من الأسفل إلى الأعلى" ويعملون في إطار النظام؛ للخروج بامتثال أكبر من المجتمع. أما أولئك، ممن يؤيدون العنف فيتبعون أسلوب "من الأعلى إلى الأسفل"؛ سعياً وراء السيطرة على الدولة وإرغام المجتمع على التحول إلى الإسلام.

وهكذا، تتضح القضية: ما إذا كانت المؤسسات الحديثة للحياة السياسية -والمسؤولون السياسيون الذين يشكلون هذه المؤسسات- ترغب مرة أخرى في تبني تفسيرات ليبرالية من الناحية الدينية للتقليد الخاص بهم، أو يظلون أَسرى الخطاب الطائفي للسياسة الدينية المحدودة، المؤدي إلى الخلاف أو الانقسام؟ ولندع الوقت يجيب عن مثل هذه التساؤلات.

وذكر سعد الدين إبراهيم أن الروابط الطائفية القائمة، التي تعتبر خاصية للمجتمعات التقليدية، قد تمزقت في الوقت الذي غيرت فيه الحداثة الاقتصادية المشهد الاجتماعي الخاص بها. ومع ذلك، يُفرق إبراهيم ما بين محفزات الموجات المختلفة للنشاط الإسلامي، ففي الوقت الذي يتحرك إحداها بواسطة عدم الاستقرار الاجتماعي، تتأثر الموجات فيما بعد التوقعات غير المحققة في أثناء العصر الذي أعقب الثورة.

وفي ضوء ما سبق، نقدم حالة التفاعل الاستراتيجي بين الدولة ورجال الدين في مصر واليمن وسوريا وليبيا.. وعلاقتهما بالمؤسسات الرسمية، ففي الحالة المصرية قدم روبرت سبرينغبورغ تشبيه "النمل الأبيض" في صيف عام 2002، والذي كان وقتئذ مدير البحث الأميركي في مصر، وكان يشير بذلك إلى الأسلوب الذي أتبعه المتعاطفون مع جماعة الإخوان المسلمين في التأثير على المؤسسات الرئيسية بالدولة من الداخل، مثل وزارة التعليم، والأزهر، وحتى القضاء، في حديث معه يوم 18 يونيو/حزيران 2002، وكيف أسهمت أيضاً جماعة الإخوان المسلمين بالأموال ومنحتها للأزهر لبناء مدارس ومعاهد نظير الحق في اختيار الأساتذة. ولذلك قدم الإسلاميون، عند توجيه النقد للمؤسسة الدينية الرسمية باعتبارها مرتبطة ارتباطاً لصيقاً بالدولة، تفسيراً خاصاً بهم عن الإسلام.

وهذا ما قد يعبر عنه بـ"التماثل الثقافي" مع الحالة اليمنية خلال مرحلة معينة، وأفرزت القوى المحركة للاحتجاجات الشعبية والإضرابات النقابية والمهنية، والتعبئة الجماهيرية للمسارات الثورية. ومن ناحية أخرى، تمخضت عنها مسارات جديدة كالمقاومة الشعبية أو اللجان الشعبية، التي تبلورت على شكل من أشكال النزاع المسلح، وآليات التعامل مع إشكالية الدولة الوطنية من خلال ما يُسمى "العدوان السعودي-الأميركي" على اليمن، الذي نجم عنه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، واستهداف وتدمير البنية التحتية، في ظل تحالف "أنصار الله" الذين يمثلون الحركة الحوثية مع "المؤتمر الشعبي العام"، والتي أثارت اتجاهات الرأي العام حول نمط التفكير السائد داخل النماذج الفكرية المعبرة عن الحالة اليمنية، وفي ظروف تكاد تكون متباينة، وقد تجعل العقلية المثالية مصابة بما يُشبه العطالة في فهم واقعه واستيعاب تطوراته والقوى المحركة لذلك الواقع.

في المقابل، نجد الجهود الدولية والأممية في حالة أخرى لرصد التباينات بين أطراف اللعبة السياسية، المتمثلة في أطراف النزاع والقوى التي يُمكنها أن تصنع السلام، وتضع صيغاً توافقية لإنهاء الأزمة اليمنية، وتحديد السياسات المعنيّة بإنهاء حالة الانقسام التكتيكي في مسارات الحل السياسي واختلاف المرجعيات.

أما الحالة السورية، فهي عبارة عن أيقونة جديدة للفكر تقترب من الحالة اليمنية من حيث الإطار لعام للأزمة اليمنية، وتتلاقى مع "تشبيه النمل الأبيض" في الحالة المصرية، ومساعي المفاوضات أو المشاورات في كل من اليمن وسوريا وليبيا، والتي قد تذكرنا بمقولة شهيرة للأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل: "إذا كان من الخطأ اعتبار كل ما يحدث عبارة عن نظرية مؤامرة، فإن الأشد خطأً أن نعتبر كل ما يحدث مجرد صدفة!".

بمعنى أن هنالك خريطة فكرية جديدة للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في منطقة الشرق الأوسط، وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص، والتي قد تعبر عن الوجه المتغير للنشاط الإسلامي في البلدان العربية والإسلامية، مما يجعل دور المثقف أو المفكر هو أن يحدد ملامح الفكر، ويرسم أبعاده، ويحدد أطره، ومنطلقاته الثقافية، في خطوط عريضة تتحاشى الوقوع في تفاصيل متشعبة؛ بل تعبر في تفاصيل معنية، بحيث تجعل من ذلك الدور أكثر فاعلية في إيجاد المقاربات الفكرية في مساقات للتنوع، وفي مسارات تراعي الخصوصية المجتمعية، وتجعل من التجربة والممارسة السياسية والاجتماعية باعثاً ديناميكياً أو ساكناً لاستيعاب مالآته ومتغيراته في البيئات الجغرافية المناسبة والهياكل الاجتماعية الملائمة.

(*) من القضايا المثيرة للجدل في المرحلة الراهنة ما يشير إليه الغزالي بالقول: "نادراً، إن كان حدث من قبل ،أن احتاج الإسلام إقامة الدولة بقدر حاجته إليه الآن، ليس فقط لأن الدولة هي جزء لا يتجزأ منه؛ بل أيضاً لأن الإسلام مهدَّد بالفناء داخل عالم يمكن فيه للقوي فقط البقاء".

وباختصار، القضية ليست في الدين؛ بل تتعلق بالسياسة. ذلك هو أساس الجدل القائل إن انبعاث السياسة الدينية يعكس استراتيجية فاشلة للتنمية، أو أن المذاهب الأصولية عبارة عن رد فعل لبيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية سريعة التغير. وقد قيل إن غياب الحرية السياسية والفساد المتفشي والظلم ما بين الغني والفقير ساهم في انتشار حالة الاستياء الشعبي العام.

ومع ذلك، فإن المظالم والشكاوى المصاحبة لتلك التوجهات، والتي جرى الإعراب عنها باسم الدين أو الهوية، لا تنتقص من الجذور السياسية والاقتصادية للمشكلة.

ومن هنا، تكمن الأبعاد التي تتعلق بهذا الجدل:
- هناك التفسير الاجتماعي والنفسي للانبعاث المجدد للسياسة الدينية.
- التحولات في الإنتاج الاقتصادي وكارثة التوقعات غير المحققة قد ساهمت في الانجذاب إلى السياسة الدينية.

* للتأمل:
وما الدهر في حال السكون بساكن ولكنــــه مســـتجـمــــع لـــوثــوب
عبد الرحمن الجبرتي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.