المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

لماذا أكتب في موقع "هاف بوست": صندوق مرايا الكتابة

تم النشر: تم التحديث:

عندما قررت المشاركة في الكتابة على موقع "هاف بوست"، تمنيت أن يُشار لي كـ"مدوّن يمني"، ضمن كوكبة المدونين في الموقع، وأن أصبح في يوم ما كاتباً عربياً معروفاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد مزيد من التجربة والمثابرة والاطلاع على كل ما هو جديد، وكان ذلك الإحساس ضمن سياق فلسفي تتقاطع فيه التقييمات المعيارية العامة للذات كونها تتضمن سياقات معقدة ومتباينة من دواخلها.

ولذلك يمكن القول إن صميم أصل الفلسفة يكمن في جدل التشكيك الذاتي والتجديد الذاتي، وهذا منذ أن واجه سقراط مزاعم السفسطائيين بأنهم "يعرفون" بوضع بديل أكثر تواضعاً هو "حب المعرفة".

كثيراً ما يأتي التشكيك الذاتي وإعادة التعريف من خارج الحدود الملائمة للفلسفة.

سقراط مثلاً كان يُقدم استعارات مجازية من الحرف والمهن (*) لتوضيح الشروط الملائمة للفضيلة، وقد ارتكن جون لوك إلى الفيزياء النيوتونية كمقاربة مستجدة للمعرفة.

وفي آونة أحدث، يستعمل فلاسفة العقل في مرحلة الحرب العالمية الثانية نظريات الذكاء الاصطناعي لتقديم أنموذج للعقل.

على أي حال، يمكن نسيان هذا التاريخ حين نكون واقعين في قبضة باراديمات (نماذج إرشادية) فلسفية معينة عميقة الجذور. ولعل هذا هو الوضع الآن في الفلسفة الأكاديمية في العالم المتحدث بالإنكليزية؛ حيث يجري أحياناً الاستمساك القطعي بفرضيات قبلية معينة بشأن هدف الفلسفة الملائم ومناهجها السديدة.

ليس الغرض من هذا المقال طرح عمل جديد ليوضع في دائرة اهتمام القراء، بل الأحرى التأمل المستمر بين المواد / المدوّنات التي تعبر عن الذات، ويمكن أن تُمثل ما يُسمى "صندوق مرايا الكتابة"؛ حيث نجد إلزاماً بنظرية سقراط "اعرف نفسك"، أن الأنماط الشرائعية للتفكير والتعبير يمكنها أن تحول دون التأمل الذاتي، وهي تخلق تنظيراً يدّعي أنه تقرير محض لا يصدر عن شخص معين أو زمان محدد، لا يخضع للتفنيد إلا بلغته الخاصة به.

وهذا ما يجعلها تبدو وهماً، سواء في الكتابة في الفلسفة أو الأنثروبولوجيا أو الأدب؛ حيث يجد الكاتب أو الكاتبة أنها بوصفها ذاتاً لها تاريخ، سواء أقر بهذا أم لا، أنها على وعي بذاتها كذات.. هذا الوعي التأملي المنعكس يتم استبعاده من حيث المبدأ بواسطة التأسيس الفلسفي الراهن لسيمانطقيا الصدق النظري، بينما هو ذلك الشعور بأن هناك رغبة بالكتابة في موضوعٍ ما، وتود أن يُشاركك الآخرون ذلك الشعور الذي يُلهم الكاتب بمزيد من الأفكار لكونها تحمل استبصارات مستجدة، ولكي لا تعتبر المدونات / المواد مجرد مصادر شخصية وسياسية، بل تعمل على إعادة بناء الذات وتجديدها، ويتضح من خلالها البعد الفلسفي للتجربة الذاتية في كتابة مقالات أو مدونات، والتي قد تُمثل إعادة تعريف "حب الحكمة".

فما هو على المحك أكثر من مجرد تخصص أكاديمي في الأدب أو علم الاجتماع أو مذكرات شخصية أو سياسية، وهكذا يضع المدوّن رؤيته الفلسفية التي يسعى من خلالها إلى وضع الإطار العام لمحاولاته في الكتابة، والتي تضع البنود الفلسفية في الحياة الإنسانية: هوية الذات، طبيعة الواقع، إمكانية المعرفة ضمن المحددات الرئيسية لذلك الإطار.

وبذلك فإن المدوّن أو الكاتب ليس إنساناً آلياً، بل هو إنسان واعٍ بهويته ككاتب، ويجعل من اللغة التي يكتب فيها نافذة تلهم بمثل هذه التأملات، والتي تعبر عن جانب واحد من جوانب تغير أعمق في الحياة الإنسانية.

وتتعدد فيها الصيغ الجدلية حول ما يكتب المدون، والتي بات فيها التقوقع في جيوب فكرية أو عرقية أو إثنية أو ثقافية مستحيلاً في عالم هو قرية معولمة.

وربما يكون السؤال الجوهري لمن نكتب؟! هذا هو السؤال الأكثر صعوبة، إذا ما كان الهدف من الكتابة في المدوّنات هو التعبير عن الذات، والطريقة التي تتحقق فيها هذه الإمكانية - التعبير عن الذات - هو ضمن الهدف المشترك بين المدون والموقع الإخباري الذي يكتب فيه، ويمكن أن يشاركني هذه الرؤية أو الهدف الكثير من المدونين أو المدوِّنات في موقع "هاف بوست".

ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أشهر تعبيرات سقراط المجازة في هذا الصدد، قوله إن أمه قابلة تمتهن توليد النساء، وهو بدوره يمتهن توليد الأفكار والتعريفات في نفوس الرجال.

* للتأمل:
أنتمُ "المخلصون" للوطنيّة..
أنتمُ الحاملون عبءَ القضيّة..
أنتمُ العاملون من غير قول..
بارك اللهُ في الزنود القويّة..
و"بيانٌ" منكم يعادل جيشاً
بمعدّات زحفه الحربيّة
و"اجتماع" منكم يردّ علينا
غابرَ المجدِ من فتوح أميّة
ما جحدنا "أفضالكم".. غيرَ أنا
لم تزل في نفوسنا أمنيّة
في يدينا بقيّةٌ من بلادٍ
فاستريحوا كي لا تطيرَ البقيّة

قصيدة الشاعر: إبراهيم طوقان

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.