المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

المحرر سيمون بوليفار.. مسيرته النضالية وآفاق التجديد

تم النشر: تم التحديث:

عندما يُعبر التاريخ عن شخصيات عظيمة كان لها الأثر الكبير في سبر أغوار الحقيقة ضمن قيم الثورة الموروثة؛ لكي تنضم عبر نسيج نضالها إلى ثقافة الأمم الأخرى، في ضوء رصيد المواقف الشجاعة، والبطولات النادرة لمواجهة مختلف أشكال الوصاية أو التمييز العنصري.

ومن تلك الشخصيات المثيرة للجدل، "المحرر سيمون بوليفار Simón Bolívar". وُلد سيمون بوليفار في كاراكاس عاصمة فنزويلا في 24 يوليو/تموز 1783م-17 ديسمبر/كانون الأول 1830م، وهو قائد ثوري وسياسي تدين له جمهوريات في أميركا اللاتينية باستقلالها عن الحكم الإسباني، وتأثر خلال دراسته بالفلسفة، ودرس بشكل خاص جان جاك روسو.

نجح بوليفار في توحيد جزء كبير من أميركا الجنوبية داخل الاتحاد بعيداً عن السيطرة الإسبانية، ولكن كانت الحكومة هشة. وفي ذلك نشير إلى خطاب الرئيس الفرنسي "ماكرون" في البرلمان الفرنسي، يوليو/تموز 2017م، عندما تحدث عن الدور التنويري لفرنسا في إطار ما سماه " الذكاء الفرنسي" المتعلق بالقيم والمبادئ، وحماية الحقوق والحريات، وإعادة التوازنات المتعددة الأطراف حتى لو كانت توازنات هشة من خلال استقلالية اتخاذ القرار، والشفافية واحترام الاستقرار الدولي ضمن مجالات بناء السلام والفاعلية، التي قد تنجم عن قيم الحوار والتفاوض.

وفي هذا السياق التاريخي، نعود مره أخرى إلى "سيمون بوليفار"، حيث على الرغم من رغبته في إنشاء اتحاد للدول مثل الذي تم إنشاؤه في الولايات المتحدة، لكن واجه بوليفار معارضة من فصائل داخلية في جميع أنحاء (كولومبيا الكبرى)، ومع وجود تحركات لتشكيل دول منفصلة مستقلة.

وكإجراء مؤقت، أعلن بوليفار نفسه (دكتاتوراً = حاكماً مؤقتاً)* في عام 1828م، وقبل ذلك زار بوليفار في شبابه أوروبا، وتأثر بالثقافة الأوروبية، وبغزوات نابليون في إسبانيا، عندما أطاح نابليون بالحكومة الإسبانية، وكان ذلك تصريحاً وتشجيعاً على أن يفعل الشيء نفسه من الإسبان في أميركا الجنوبية. وأقسم أن يُحرر بلاده من الاستعمار الإسباني.

وتخليداً لاسمه، يوجد تمثال لسيمون بوليفار في حي "جاردن سيتي" بالقاهرة، وحول الجدل الذي أثاره تسمية هذا الميدان باسمه، فقد أشار الكاتب عباس الطرابيلي في كتابه "شوارع لها تاريخ: سياحة في عقل الأمة" بالقول: "في جاردن سيتي، كان أشهر ما فيها (قصر الدوبارة)، ليس بسبب القصر الذي كان موجوداً، ولكن بسبب وجود السفارة البريطانية منذ كان داراً للحماية على مصر.

وكان الحاكم الفعلي في مصر هما: قصر عابدين حيث مقر الحكم الرسمي لأبناء محمد علي منذ عهد أسماعيل، وقصر الدوبارة حيث المندوب السامي البريطاني أو المعتمد البريطاني أو السفير البريطاني... وخلال النضال السياسي من الاحتلال البريطاني، كانت المظاهرات تتجه إلى قصر الدوبارة حيث مقر السفارة البريطانية.

وللأسف، انتهى اسم إلهامي باشا (ابن عباس حلمي الأول) من الميدان الذي كان يحمل اسمه، ليوضع عليه اسم سياسي من أميركا اللاتينية هو "سيمون بوليفار"!

ويعكس ذلك، التفاعل الجدلي بين الفكر والفعل للذات والآخر معاً، وأداة صراع مع ذاته ومع الآخر في آن... إنه عملية دينامية متطورة وفي تجدد مطرد، ليُشكل ذلك التفاعل مسارين هامين؛ المسار الأول: حول جدلية تسمية الميدان/التمثال سيمون بوليفار هذا الاسم، والتي تعبر عن لحظة من الزمان، وموقع المكان قد يربط الصلة بين السابق واللاحق، لكي نسقط الماضي بالسابق، ولا نصادر الحاضر والمستقبل؛ حتى لا نكون أسرى فكر ماضوي انتقائي.

أما وجود التمثال في "جاردن سيتي"، فكأن لسان حال التمثال (المرئي والمسموع) قد تتردد فيها مقولة بوليفار في الأفق، حيث يصدح بالقول: "دعونا نمنح لجمهوريتنا سُلطة رابعة تخول لها الحق بمراقبة الشباب، قلوب البشر، الروح العامة، والعادات والأخلاق الجمهورية، دعونا ننشئ مجمع الحكماء للإشراف على تعليم الأطفال، والتعليم الوطني، لتنقية ما يُمكن أن يكون فاسداً في الجمهورية...".

أما المسار الثاني: فقد يكون نتاجاً لمسيرة سيمون بوليفار النضالية في إطار المسار الأول، والذي قد يُعبر عن سبر السياسات الدولية، والتي قد تكون نتاجاً لمآلات تلك المسيرة النضالية وعلاقتها بالمرحلة الراهنة في عدد من دول أميركا الجنوبية (دول ما بعد الاستعمار) في إطار سياقها التاريخي بطريقة تتفق مع السلام والديمقراطية، واحترام ثابت للحقوق الفردية المدنية والسياسية والرخاء الاقتصادي، وضمانات الحراك السياسي، وآليات صور واحدة لا تمايز فيها حول الدولة ونظامها السياسي، وعلاقة ذلك بالحقبة الاستعمارية مع وضع معايير للتمييز بين ماهية السُلطة الرابعة والطابور الخامس؟!

وهكذا، يمكن لهذين المسارين في مجتمعاتنا العربية أن يضعا آفاق التجديد المميز، سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي، ويكون ليس ببعيداً بالنسبة إلى المستقبل القريب، حيث لا تتطلب الإرادة السياسية فحسب؛ بل أيضاً الأدوات المفاهيمية، والدليل العلمي لوضع نشر التعددية الثقافية الليبرالية على مسار أكثر فاعلية، لإيجاد طرق جديدة لفهم فئات وظروف المجتمعات والجماعات المستهدفة على المستوى العالمي نحو هدف يستحق الاهتمام، لكنه قد يكون بعيد المدى.

(*) الديكتاتور: هو لقب يتم منحه لقاضٍ يُعينه مجلس الأعيان في روما القديمة ليحكم الدولة في أوقات الطوارئ والأزمات. وفي الاستخدام الحديث للكلمة، يُشار بها إلى الحكم الفردي أو الحاكم المطلق للسُلطة الذي لديه القرار والحُكم الشامل في دولة ما.

* للتأمل:
"لو كنتُ نبياً لجعلت السعادة رسالتي لكل البشر، ووعدت أتباعي بالحرية، ومعجزتي وضع الضحكة والبسمة في أفواه الصغار.. ما كنت أتوعد أحداً بنيران جهنم، ولا أعد أحداً بالجنة، كنت سأدعوهم فقط إلى أن يكونوا بشراً وأن يفكرواً.." شارلي شابلن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.