المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

دوامة الصمت: الرأي العام والأيديولوجية السياسية

تم النشر: تم التحديث:

هناك نظرية في الاتصال يمكنها أن تساعدنا على فهم كيف تصبح بعض الأفكار سائدة في المجتمع. وقد وضعتها العالمة الألمانية إليزابيث نويل نيومان التي كتبت في مقالة مهمة في "مجلة الاتصال" Journal of Communication، أن الأشخاص الذين يعتقدون -بشكل صحيح أولاً- أنهم يمثلون رأي الأغلبية لديهم ميل إلى إبداء آرائهم، في حين أن أولئك الذين يؤمنون بأنهم يمثلون رأي الأقلية لديهم ميل للحفاظ على الهدوء، وذلك لأن الناس لا يرغبون في أن يكونوا معزولين، وأولئك الذين يعتنقون ما يعتقدونه أنه رأي الأقلية في كثير من الأحيان يقنعون أنفسهم بأن رأيهم خاطئ.

وهكذا قد يجد المرء نفسه في واحد من الجانبين، وقد يكتشف أنه يتفق مع وجهة النظر السائدة (أو الفائزة)، مما يعزز من ثقته بنفسه ويُمكّنه من التعبير عن نفسه بعقل صافٍ ومن دون خطر من العزلة، وعند التحدث. بمقاطعتهم لأولئك الذين يحملون لها: وكلما ظهر ذلك بشكل أوضح، زاد عدم تيقنه، وقل ميله للتعبير عن رأيه.

عندما يتحدث بعض الناس ويبقى الآخرون صامتين، تبدأ "عملية لولبية تشكل على نحو متزايد أحد الآراء كرأي سائد"، وتزايد هذا نتيجة لحقيقة أننا كثيراً ما نقلل من تقدير عدد الأشخاص الذين يشاركوننا في وجهات نظرنا ونبالغ في تقدير عدد الأشخاص الذين يعارضونها، ومن الواضح تماماً أن وسائل الإعلام تمارس دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام؛ لأن ما نقرأه في الصحف والمواقع الإلكترونية، ونسمعه في الراديو، ونراه في البرامج الإخبارية التلفزيونية (حيث يحصل كثير من الناس في أميركا على معظم أخبارهم) له تأثير فيما نعتقد أنه هو الرأي السائد حول قضايا مختلفة، نظرية نويل نيومان تقترح، إذن، أن وسائل الإعلام تساعد في تشكيل الرأي العام بدلاً من مجرد أنها تعكسه.

مع ذلك كما رأينا، هناك بعض التساؤلات حول مدى فاعلية وسائل الإعلام واقعياً في تشكيل الرأي العام.

على الرغم من أن عدداً صغيراً من الشركات العملاقة تسيطر على وسائل الإعلام، وغالباً ما تلعب القوى المعاكسة لذلك دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام، نجد، على سبيل المثال، أن الكثير من الجماعات منحازة إزاء القضايا المهمة -وخاصة القضايا المتعلقة بالعرف، أو الجنس الاجتماعي أو الدين- تعمل بشكل متزايد من إسماع صوتها، وغالباً ما تكون معتقدات هذه الجماعات غالباً ما تكون قادرة على استخدام واستغلال الصحافة لأغراضها الخاصة، بالإضافة إلى ذلك فإن للأحزاب السياسية دوراً مهماً في التأثير على الرأي العام، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية والأيديولوجية.

ومن هذا المنطلق، نجد أنه غالباً ما تؤدي أحداث معينة دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام، ففي سبتمبر/أيلول 2005م تمت تغطية إعصارين رهيبين في الولايات المتحدة بطريقة رائعة ومن دون توقف من قِبَل وسائل الإعلام، كشفت المدى الهائل لعدم جاهزية الحكومة الفدرالية للتعامل مع حالات الطوارئ واسعة النطاق.

وأظهرت التغطية التلفزيونية أيضاً كم كان هناك من الفقر في نيوأورليانز، وهو ما شكل صفعة لاعتقادنا أننا نخلق مجتمعاً عادلاً؛ حيث تم القضاء على الفقر.

تكشف الإحصاءات أن الفقر قد ازداد في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، ولكن الإحصاءات ليس لديها كثير من التأثير العاطفي، كانت قوة صور الفقراء، معظمهم من الأفارقة الأميركيين، والأوضاع البائسة التي كانوا يعيشون فيها، هي التي جعلت من وجود هذا الفقر بالنسبة إلى الأميركيين واقعاً أكثر بكثير.

والعديد من سكان نيوأورليانز لم يتركوا المدينة قبل إعصار كاترينا الذي دمرها؛ لأنهم كانوا فقراء جداً ولا يملكون سيارات.

أساءت هذه التغطية الإعلامية لسمعة الرئيس وغيره من كبار أعضاء الحكومة، مما اضطر مدير وكالة إدارة الطوارئ الاتحادي (FEMA)، الذي كان تعيينه سياسياً ولم يكن مؤهلاً للحصول على الوظيفة، إلى الاستقالة.

فضحت تغطية كاترينا وريتا عجز حكومتنا، على جميع المستويات، عن التعامل مع الكوارث، وأدت وسائل الإعلام، في تغطيتها لهذه الكوارث، دوراً مهماً في التأثير على الرأي العام، والتغطية التلفزيونية لهذه العواصف ستكون لها على الأرجح عواقب سياسية كبرى.

وعلى ضوء ما سبق، نتحدث عما نُسميه بـ"الحق الإلكتروني" الذي يضم تحالفاً واسعاً من المسؤولين، والصحفيين، والمفكرين، ومنظمات المجتمع المدني، وقادة الرأي العام، والمنظمات الدولية، الذين يمكنهم الوصول إلى وسائل الإعلام، وللإسهام في صناعة وتشكيل اتجاهات الرأي العام، التي قد تبدو أنها ليست بهذه البساطة، ودوامة الصمت قد لا تعمل دائماً بالطريقة التي قال عنها نويل نيومان إنها ستكون، غير أن وسائل الإعلام الإلكترونية، قد تدعم عملية تحول عميقة للهوية الثقافية، الحقائق، والراديو، والسينما، والتلفزيون، والكمبيوتر، والآن باندماجها كـ"وسائط متعددة" تعيد ترتيب الكلمات، والأصول، والصور، وذلك للحصول على مواصفات جديدة للشخصية الفردية، فهل من غير الصحيح القول: "إن الشخص الفرد يفكر" على حد تعبير عالم الاجتماع كارل مانهايم؟!

وعلى الرغم من ذلك فإنه يبدو أن لوسائل الاتصال الجماهيري دوراً مهيمناً ومتزايداً في المجتمع، وكذلك يبدو حالياً أن وسائل الإعلام تؤثر في جميع المؤسسات الأخرى، غير أن المؤسسات السياسية والحكومة تتمتع بسلطة قانونية للمساعدة في تحديد كيفية عمل وسائل الإعلام المتعددة (وسائل الإعلام الإذاعية أو التغطية التلفزيونية)، نظراً إلى أن موجات الأثير هي ممتلكات عامة، لكن كثيراً ما يبدو الآن أن وسائل الإعلام الإذاعية أو التغطية التلفزيونية، وبفضل قوة الإعلان السياسي، هي "الذيل" الذي يهز "كلب" الحكومة*

ـــــــــــــ

(*) مقولة "هز الكلب" (Wag the Dog) المقصود بها تحويل الانتباه من أمر مهم إلى ما هو أقل أهمية، وتأتي المقولة من المثل "الكلب أذكى من ذيله" a dog is smarta than its tail، ولكن إن كان الذيل أذكى، فإنه هو ما سيهز الكلب.

• للتأمل:
- من المفارقة أن الذين يتعلمون النزعة الفردية من المجتمع يرون في بعض الأحيان أن المجتمع غير موجود.
• من أقوال اللورد بادن باول، مؤسس الحركة الكشفية:
- القيادة من خلال توافر الحب الشخصي بين الأفراد هي الطريق لنجاح الحركة، من خصائص القائد أن يكون رقيق المشاعر ومؤمناً بأهمية وصدق الرسالة التي يؤديها.
- الكشافة ليست عرضاً يهدف إلى نتائج سطحية والحصول على ميداليات وشارات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.