المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

" فَهيم ".. سيد قطب !

تم النشر: تم التحديث:

كنت خلال شهر رمضان المنصرم قد تابعت مسلسل "الجماعة 2"، وأعجبت بالمسلسل الذي قدم رؤية منهجية لحقبة تاريخية في غاية الأهمية، وعكست الوقائع التاريخية من منظور درامي شيق وقابل للتأويل.

لكنه في نهاية الأمر عبر عن إمكانيات الكاتب الكبير وحيد حامد في قراءة المشهد السياسي والاجتماعي في مصر خلال تلك المرحلة وانعكاساتها على المرحلة الراهنة؛ حيث أوجد مساحة متوازنة حول أحداث المسلسل عبّرت في مجملها عن القدرة الفائقة للتصوير الفني في تجسيد أفكار ومضامين قد لا تسقط بالتقادم، لكنها ستظل في ذاكرة الأجيال لتكون شاهدة على تطور الفكر السياسي التي قد تؤثر بشكل فاعل في الثقافة الجماهيرية.

وفي هذا السياق، وأنا أتجول في شوارع المدينة، لفت انتباهي مجموعة من الكتب الموجودة للبيع على قارعة الطريق، ومن تلك الكتب وجدت كتاب "هذا الدين" للمفكر الإسلامي سيد قطب، فتذكرت الممثل الواعد محمد فهيم، الذي جسَّد هذه الشخصية باقتدار وبعاطفة جياشة، وبقدرة فائقة في وضع المعاني المرئية لقوة الشخصية الممزوجة بالإحساس الذي يجمع بين العظمة والكبرياء.

ولذلك حاولت أن أقرأ هذه المخيلة الفنية في ثنايا كتاب "هذا الدين"؛ لعلي أحاول الاقتراب من سمات هذه الشخصية عبر واحدٍ من أهم كتبه بعد قراءتي لكتاب آخر من تأليفه، كنت قد قرأته منذ سنوات، ويحمل عنوان "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"، وكلاهما يعبر عن ذلك الجدل الذي أثاره كتابه الشهير "معالم في الطريق".

وهكذا نجد أن المفكر سيد قطب استهل كتابه "هذا الدين" بقراءة موضوعية لما سماه "منهج للبشر"، وأشار بالقول: "هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين، وطريقة عمله في حياة البشر.. حقيقة أولية بسيطة.. ولكنها مع بساطتها، كثيراً ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء، فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين: حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي، حاضره ومستقبله كذلك"، وأن هناك سلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: " هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة"، وعلاقة ذلك بفطرة الإنسان وحدود طاقته، وواقع حياته المادي أيضاً.

وعلى ضوء ذلك، فقد أوضح "أن الله قادر -طبعاً- على تبديل فطرة الإنسان، عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه، ولكنه -سبحانه- شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها، وبذلك هو يؤكد خصائص المنهج الإسلامي واعتباره "منهجاً متفرداً" قائماً على خصائص الألوهية لأنه -بربانيته- هو المنهج الوحيد المبرأ من نتائج الهوى الإنساني، والضعف الإنساني، والرغبة الإنسانية في النفع الذاتي، وفي تحقيق ذلك النفع عن طريق التشريع، لشخص المشرع، أو لأسرته، أو لطبقته، أو لشعبه، أو لجنسه.. فواضع ذلك المنهج هو الله.

وهو -سبحانه- رب البشر أجمعين، فهو لا يشرع ليحابي نفسه، ولا ليحابي طبقة من البشر على طبقة، ولا ليحابي شعباً على شعب، و لا ليحابي جنساً على جنس.

ومن هنا نجد أنه "منهج مُيسر"، فالمنهج الإسلامي يسير هيناً ليناً مع الفطرة يوجهها من هنا، ويذودها من هناك، ويقوّمها حين تميل، كما أنه "منهجٌ مؤثر"؛ حيث استطاع ذلك المنهج الرباني أن يقرر واقع الحياة البشرية من مبادئ وتصورات، قيماً وموازين، بما تحمله من الوضوح والعمق والشمول، وشكلك في مجملها " رَصيدُ الفطرة "، وعبرت عن مغالبة الفطرة للواقع، وانتفاضها من تحت الركام والأنقاض، وانتصارها على الواقع الخارجي الذي أنشأته الجاهليات.. وهي تمثل واقع العقيدة والتصور، وواقع الأوضاع والتقاليد، وواقع الاقتصاد والتعامل، وهي أقوى ألوان الواقع الذي يراه من لا يدركون قوة العقيدة، وقوة الفطرة، وكأنه هو الحقيقة الساحقة التي لا قبل بها لفطرة ولا عقيدة، وكان ذلك هو "رصيد التجربة"، أي أنها ثمرة طبيعية لبيئتها -وقتذاك- ولكنها ثمرة الرصيد المتجمع للفطرة، عندما وجدت المنهج والقيادة والتربية والحركة التي تجمع هذا الرصيد وتدفعه هذه الدفعة القوية.. وكانت بمثابة الخطوط العريضة لـ"خطوط مستقرة" التي أفرزت العديد من المبادئ: إنسانية واحدة، أمة واحدة، ذمة وخلق، والتي خطها الإسلام في حياة البشرية في ظل المنهج الإلهي القويم.

ومن هذا المنطلق، حاولت أن ألتمس سبيلاً لفهم ديناميكية شخصية "سيد قطب" في مسلسل "الجماعة 2"؛ لعلي أكون "فَهيم" لأي محاولات أخرى لتفنيد ادعاءات الآخرين، التي قد تنحصر في جدلية الخلفية السياسية والأيديولوجية لهذه الشخصية، بعيداً عن التأثر بها من عدمه، لكنها حتماً ستضيف دلالات ومفاهيم جوهرية عبر الحوار الذي عبّر عنه بالمسلسل والمظاهر المعنوية التي جسدت علاقته بالزعيم جمال عبد الناصر من حيث النظر إلى التفاعلات الفكرية بين "المفكر" و"الزعيم" في ضوء أكثر اتساقاً مع الجدل والتاريخ، حتى وإن اكتست في الغالب بوهج مثالي أخفى الممارسات المعلنة، لكنها اتسمت بالحذر والنقد، وعبرت عن الرؤية الفنية، التي جمعت بين ثنائية المظاهر الحماسية حسنة النية، وبين الذي يضع نفسه في موقف متعارض.. ومتحفظ ونقدي، وتلك الثنائية هي التي جمعت بين شخصية المفكر سيد قطب، والزعيم جمال عبد الناصر، من حيث التصور والواقع عبر أحداث المسلسل، ويُمكن أن يكون لها بعد آخر من خلال القراءة الموضوعية لكتاب "هذا الدين"، وأثرها في المراحل اللاحقة التي يمكن أن يعبر عنها في مسلسل "الجماعة 3".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.