المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

هل نحن بحاجة إلى براديغم جديد من منظور سوسيولوجيا التربية؟!

تم النشر: تم التحديث:

يظل الخطاب السياسي الذي ينبغي أن يكرس لماهية المشاركة السياسية في عدد من الاستحقاقات الدستورية والمؤسسية عبارةً عن عملية ديناميكية لمعرفة دور المكونات المجتمعية في وضع النماذج المعبّرة عن أحقيتها في التعبير عن الرأي وفقاً لمسارات توافقية أو تنافسية، لكنها قد تعكس وعياً سياسياً واقتصادياً بطبيعة الرهانات التي تمثلها آليات التحليل لكثير من الظواهر (الطبيعية/ الاجتماعية) والتحولات التي يحدثها التحول من نموذج إرشادي إلى آخر، الذي يمكن أن يوازي، إلى حد كبير، التحول الذي يحدث من نظام سياسي إلى آخر يسميها كون بـ"الثورة" Revolution، وهو يعتمد إدخال مفهوم سياسي إلى ميدان العلم.

ففي المجتمعات تبدأ الثورة السياسية من تصاعُد الإحساس لدى بعض القطاعات في المجتمع بأن النظام السياسي القائم لم يعُد يصلح لحكم المجتمع، ولا لحل مشاكله أو تلبية حاجاته، ولذلك تسعى تلك القطاعات إلى تغيير المؤسسات السياسية القائمة، تساعدها على ذلك حالة الفوضى التي بدأت تدبّ في المؤسسات السياسية، نتيجة عجزها عن حل مشكلات المجتمع.

وهنا تنشأ حالة الصراع بين أنصار التغيير وأنصار النظام القديم، وينقسم المجتمع إلى معسكرات وأطراف متنازعة حول نموذج المؤسسات الذي ينبغي أن يتم في إطار التحول السياسي، وبسبب عدم اتفاقهم على نموذج "معياري" للتغيير يلجأ كل فريق إلى شن الحملات الإعلامية لإقناع الجماهير بتفوق نموذجه وقدرته على تلبية تطلعاتهم، ويصل الأمر إلى التحريض واستخدام القوة، حتى ينتصر أحد الفريقين، في الغالب تنتصر القوة التي تطالب بالتغيير.

ولذلك هنالك مَن يرى أنه ينبغي دراسة العوامل الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والثقافية المؤثرة في المشاركة السياسية، ودورها في تقديم النموذج الأمثل لفهم العلاقة بين السياسة والعلم، وبين الظواهر المجتمعية أو الاجتماعية، والأسباب التي أسهمت في تأطيرها وفقاً لمتغيرات تلك العوامل ومجالاتها، وعلى ضوء نقاشات جادة بعيدة عن التمترس وراء التنظير المبني على تصورات مسبقة؛ لكونها قد لا تستطيع استيعاب معطيات الواقع الجديدة، التي قد تكون فيه بعض القوى في حالة "كمون"، بل ينبغي أن تتعامل مع الخصائص لذلك "البراديغم / النموذج"، الذي قد يُسهم في تقديم تصور عام عن السياسة التعليمية الذي قد يفرزها ذلك النموذج في إطار التحولات المعنية بوضع المعايير اللازمة لذلك التحول (إن وُجد) أو دراسة عملية الاتساق بين الأنظمة المتعددة واستمراريتها في أدائها لوظائفها، في ظل ثنائية البعد والبعد الآخر، التي قد تعبر عن اتجاهات العلاقة بين التربية والمجتمع.

ومن تلك النقاشات التي تتمحور حولها تلك الاتجاهات، ويمكن التعامل معها في إطار "الاستثمار في مؤسسات الرأي العام" لبلورة إطار مفاهيمي حول خصائص تلك الاتجاهات وسماتها من منظور "سوسيولوجيا التربية"، ومدى مقاربتها للنماذج المعيارية ذات الصلة بواقع المؤسسات السياسية والتعليمية والاجتماعية والتنموية في المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة، ماثلة في الاعتقاد الراسخ لدى البعض متعلقاً بأهليّة "العوام" وغير المتعلمين في المشاركة السياسيّة.

هؤلاء المحاوِرون دائماً كانت لديهم حجّة بسيطة ومقنعة لغير ذي تفكير طويل، وحجاجهم كالتالي: كيف تساوي بين صوتي (كمتعلّم تعليماً عالياً، وموظفاً، وله مكانة جيدة اجتماعيّة هو راضٍ عنها) بصوت فلاح لم يتعلم، أو سائق فقد رفاهية التعليم، وغيرهم؟ بمعنى أننا عندما نذهب للانتخابات فإن أصواتنا غير متكافئة، وبالتالي لا يمكن المساواة.

رغم بساطة الحجاج وزهوة وجاهته، لكنّه برأيي إشكاليّ وسخيف في آن؛ إذ هناك نوعٌ من الديمقراطيّة التي يحبّها هؤلاء، ألا وهي ديمقراطيّة برجوازيّة نوعاً ما، تظنّ أنّ الاختيار قائم على أساس عقلانيّ رشيد، مخفيةً بذلك البعد المصلحيّ والطبقيّ.

صحيح وإن كانت البروليتاريا بالمعنى الواسع قد يكون فيها غير المتعلّم والمتنوّر، إلّا أن كل فرد يدرك مصالحه الاجتماعيّة؛ لذلك الديمقراطيّة ما كانت إلا صراعاً، وفي عصرنا هذا لا تفوز فيه سوى الطبقات الوسطى والعليا، أما الطبقات الفقيرة فحالها معلوم، وسياسات عولمة وتدويل الفقر في تنامٍ دائماً.
إن تلك الفكرة أبويّة، يمكن تصوير الديمقراطيّة الناتجة عنها بديمقراطيّة أبويّة، ولا تختلف عن فكرة أنّ الأصلح (الأكثر تنوراً) هو الأحق ليس فقط بالحياة، بل بالهيمنة وامتلاك حقّ سياسة الأقلّ شأناً؛ لذا فإن سياسة إنتاج الفقراء ليست فقط متعلّقة بالسياسيّ بل بما قبل السياسيّ، غير المساءَل، اللامفكّر فيه.

* للتأمل: من أقوال الأديب الكبير الطيب صالح:
- الأوطان هي التي تبقى، وإن الهدف يجب أن يكون بقاء الوطن وليس بقاء أي حكم أو نظام!
- آه، أي وطن رائع يمكن أن يكون هذا الوطن، لو صدق العزم وطابت النفوس وقلَّ الكلام وزاد العمل..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.