المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

في البدء كان الصراع.. الوحدة اليمنية أنموذجاً

تم النشر: تم التحديث:

في البدء كان الصراع، يوم أن تاق الإنسان إلى امتلاك الأرض والسيطرة على كل شيء، ثم تحولت الغايات من أجل البقاء، واكتنفت طريق هذا الكائن الملمّات والصعاب، فتارةً يغالبها بتذليلها والتفوق عليها وتارةً يصطنع الوسائل ليمضي دولاب الحياة.

ولم تخلُ مسيرة الإنسان في التنافس مع أخيه الإنسان وسطوة الطبيعة من استنزاف طاقاته وموارده، بل صار من الصعب تفسير ظهور الجماعات غير المحلية واجتماعاتها دون صراع، فغدا التصارع سمة إنسانية سرمدية تغذي نفسها بنفسها، فكانت الحروب بين المؤمنين وغير المؤمنين، وحروب المنتمين إلى الجماعة وغير المنتمين إليها، حروب المذاهب، وحروف الفِرق، وحروب القوميات والطوائف، صراع بين المالكين والعاملين، بين مَن يملك السلطة وبين المحكومين، وظلّت دورة التاريخ الكبرى في سيرورتها، ولم تستطِع التقنية الحديثة أن تمنع هذا الكائن من اقتلاع هذه اللوثة، بل أخذ الصراع في عصر العولمة أشكالاً جديدة، فعاد صراع الولاء والانتماء للقبيلة والطائفة والعِرق والدين، وتفّوق هذا التلاحم على قيم التصالح والانصهار من خلال المعيشة والمصلحة المشتركة.

وتأسيساً على ما سبق، نجد من الأهمية بمكان دراسة مسارات مرحلة الوحدة اليمنية 1990م حتى الآن وفقاً لتلك الخلفية النظرية، والتي قد ينجم عنها إطار مفاهيمي يعبر عن الرهانات الحقيقية التي تمحورت عليها دولة الوحدة سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وتنموياً، وشكلت في مجملها تأثيرات ما زالت غير واضحة المعالم فيما يتعلق بآفاقها المستقبلية، التي قد تتطلب وجود أنموذج (براديغم) وبيولوجي أو تكنولوجي أو معرفي جديد ضمن الشروط المجتمعية والبيئة الثقافية، وبناء على القراءة الموضوعية للعلاقات التبادلية الديناميكية القائمة بين التربية والمجتمع، وذلك وفقاً لعدة خطوات ذات الصلة بإنتاج الأفكار في مختلف المجالات المعرفية انطلاقاً من كونها عملية مرتبطة بالنشاط المادي والاجتماعي للبشر بحسب ما يلي:

• الخطوات التي لبلورة مشروع دولة الوحدة في الأدبيات السياسية والإعلامية، ومدى ملامستها للجهود الدبلوماسية والسياسية التي ساهمت في صياغة الأفكار المؤدية لاستيعاب الإرادة السياسية والمجتمعية حيال التوجهات الظاهرة والكامنة في مسارها التحضيري، وما تلاها من إرهاصات متعددة حتى المرحلة الراهنة.

• المشاركة الشعبية والجماهيرية في الإسهام في وضع المحددات الأساسية للإطار العام لدولة الوحدة وعلاقتها بالمتغيرات الدولية والإقليمية، ومدى مقاربتها مع الخيارات والبدائل المتاحة، والتي يمكن أن تسهم في وضع البرامج الملائمة والمنهجيات المناسبة لتحديد الآثار الناجمة عن سياسات الاختلاف أو الاتفاق حول طبيعة الفلسفة السياسية المطلوبة للتعامل مع الإشكاليات المتوقعة من تلك السياسات.

• آليات التعامل مع متغيرات بناء الثقة وإجراءاتها في أطر مؤسسية سواء كانت ذات طابع رسمي وغير رسمي.

• معالجة جوانب الإخفاق في المجالات المتعلقة بمتغيرات بناء الثقة وبحث السّبل الكفيلة بوضع الترتيبات اللازمة لإتاحة الفرص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية في مجالات جديدة ومألوفة وقابلة للقياس والتقييم والمتابعة الفنية خلال مرحلة معينة أو فترات زمنية محددة.

• مراجعة البرامج والأدبيات السياسية والانتخابية الصادرة من مختلف التكوينات السياسية والحزبية في المجالات (الرئاسية والبرلمانية والمحلية) خلال دورات انتخابية متعددة، والتي قد تعكس تأثير الأطر الاجتماعية المعنية بتلك السياقات المعرفية.

• وضع البرامج التقييمية (الآنية) المتعلقة بتقييم الأداء الحكومي في ظل برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي، ومدى أثرها وتأثيرها في الحياة السياسية والعامة، وفي ميادين الحياة الاجتماعية.

• وضع المحددات السياسية والمجتمعية لعملية التوافق المبدئي حول أولويات المرحلة والضمانات المعبرة عن نماذج سياسية في إطار ما يُسمى "الإجماع الوطني".

ومن هذا المنطلق، يمكن دراسة ما قد يطرأ عن تلك الخطوات من تبدل في نظام القيم السائدة خلال مرحلة الوحدة وما سبقها من توجهات وسياسات خلال مراحل متعددة من حيث الاستدلال عليها وفقا لما يلي:

• دراسة الاسباب الآنية التي أدت إلى " روتينية العلاقات الاجتماعية" في إطار دائرة التنظير السوسيولوجي ليشمل المراحل السابقة لما قبل الوحدة اليمنية، والتي تجلت تمظهراته الحالية في الفضاءات الاجتماعية والثقافية من وضع الاعتبارات (الفردية والجماعية) على السياقات التاريخية والبيئات الجغرافية للمرحلة ما بعد 1990م في ظل الاجتهادات السياسية التي يمكن اعتبارها نتيجة للحراك الاجتماعي والثقافي ومعبرة عن "دائرة التأثير الاجتماعية" السائدة خلال مراحل متعددة، والتي تخضع لتأثير شكل المجتمع والمراكز الاجتماعية القديمة والجديدة في إطار "مفهوم حيوية السياق الاجتماعي اللغوي".

• تدارس إشكالية الهوية خلال فترة تاريخية اتسمت بالانتشار الواسع للاختلالات المجتمعية، وفقدان المؤسسات للشرعية وانحصار بل اختفاء الحركات الاجتماعية الكبرى، والتي غالباً ما يتم احتواؤها في إطار الهويات المنفردة، وفي ظل "برامج المسايرة الاجتماعية"، والمعايير، ونفوذ الجماعة.

• آليات التعامل مع حالة الحراك (الفضائي - الإلكتروني) في المرحلة الراهنة، وتأثيره في الصحافة (الورقية)، التي لا تخلو من التوظيف السياسي والتنافسية في صناعة المعلومة من مصادر متعددة وفقاً لأجندات إقليمية ودولية، وفي إطار الحقوق التي تتمتع فيها المؤسسات والأفراد في عملية الإعلام والتواصل والفاعلية، عبر العالم.

• انعكاسات التجارب الديمقراطية والتنموية على المسؤولية الاجتماعية لدى المجتمعات المستهدفة، والمظاهر الناجمة عنها ذات الصلة بـ"سيرورات الإقصاء الاجتماعي والسياسي بين شركاء دولة الوحدة وصانعي القرار، والتي يمكن وصفها بـ"فك الارتباط" أو أنها تشكل "الثقوب السوداء في الرأسمالية المعلوماتية"، والتباين في التنمية من منطقة لأخرى نتيجة لاختلاف المصالح الفردية والمجتمعية "المصالح الاقتصادية والاجتماعية" في ضوء الحلقة المفرغة للتعصب.

• دراسة النماذج السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى الاختلاف في وجهات النظر في السياقات المعرفية لدولة الوحدة، والتي أوجدت حالة من التوتر السياسي بين النظام القديم والجديد حول المرجعيات المعنية بتلك النماذج، والتي تزودنا بتوقعات محتملة حول نموذج المؤسسات الذي ينبغي أن يتم في إطاره التحول السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديمقراطي.

• الأسباب الكامنة والظاهرة التي أدت إلى نشوب حرب أهلية أو نزاع مسلح، ويمكن أن تتطور عبر الميليشيات النظامية وغير النظامية إلى حرب أهلية، إذا لم تكن هناك مبادرات إقليمية ودولية تعبر بشكل أو بآخر عن تلك الأسباب وتداعياتها.

• النتائج المترتبة على قيم الحوار وآليات بناء الرأي وعلاقتها بصراعات المصالح على مدار الأجيال المتعاقبة.

• دراسة الشروط أو الظروف الموضوعية التي أدت إلى نشوب الثورات السياسية والاجتماعية والاحتجاجات الشعبية والانقلابات العسكرية في إطار سوسيولوجيا التحديث والتغير في المجتمع اليمني على ضوء متغيرات "الارتباطات الزائفة" وعلاقتها بالسياسات التعليمية والمناهج الدراسية.

*للتأمل:

"إن ظروف الوجود لا تؤثر في الأصول التاريخية للأفكار، وإنما تؤلف جزءاً أساسياً من إنتاج الفكر وتشعرنا بمحتواها وشكلها" كارل مانهايم (1947-1883).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.