المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

التحديات التي تواجه بناء نظام الدولة في اليمن

تم النشر: تم التحديث:

إشكالية المنظومة الحزبية والسياسية في كثير من البلدان العربية هي أن المسؤولين عن الكيانات الحزبية على إدراك عميق بأنها في حالة من السيطرة والتحكم، وبمقدورهم تحريكها يساراً ويميناً، وبحسب مقتضيات المراحل، ولكن قد يحصل نتيجة لذلك الترتيب أن المعارضة والسلطة تتماهى مع منظومة الحراك السياسي والاجتماعي التي قد تُظهر التأثيرات الناجمة عن الركود السياسي.

ولم يعد بمقدور هذه الأحزاب أن تتعامل مع متغيرات الواقع الجديدة فيما يتعلق ببراغماتية المعارضة والدولة، التي قد يمكن استخدام "استراتيجية المعلومات المضللة" في المجال السياسي من خلال استخدام الكثير من الأخبار المفبركة وبث الشائعات المبنية على "تكتيكات سياسية رجعية"، والتي تعمل على تفتيت المجتمع وتفكيك التنظيمات والأحزاب السياسية، التي قد تُوجد مساحات متنوعة لأساليب الهيمنة والسيطرة (الواقعية) أو (الافتراضية) بحيث يكون لديها القابلية على المفاضلة بين "الضمير الفردي" و"الضمير الجمعي" حول الإدراكات المعنية بنظام الدولة.

وهكذا يميل واضعو النظريات بالدولة إلى التركيز الأقل على تلك الإدراكات في إطار نماذج معيارية مقارنة بالقاعدة الإلزامية لسلطة الدولة.

ويعكس ذلك أهمية الحرب في عملية بناء الدولة والتأكيد الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر 1864 - 1920) المتعلق بالسيطرة على العنف الشرعي باعتباره الخاصية المميزة للدولة.

كما يعكس أيضاً المركزية المستمرة للقوة بهدف السيطرة والتحكم في الحياة الاجتماعية، سواء كان ذلك في مرحلة التنمية وتأكيدها على التحول الاقتصادي أو النسخة الاستبدادية الأقل اعتدالاً، فقد جرى تعريف مؤسسات الدولة الحديثة من خلال اختراق وإعادة هيكلة المجتمع بالإلزام والتعليم ووسائل الإعلام والحوكمة البيروقراطية، ويُعد ذلك على النقيض من الأنماط التقليدية للتنظيم السياسي التي كانت لديها قدرة محدودة فقط و(ميل) لضبط أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية.

على الرغم من قدرة الدولة على تنفيذ رغبتها، فإن توليد الدعم الشعبي لطالما كان تحدياً، لم تكمن المشكلة في السلطة في حد ذاتها، ولكنها كانت تكمن في الموافقة، ويرتكز الادعاء الخاص بممارسة السلطة بطريقة شرعية على المعتقد المتعلق بأن أولئك الذين يتقلدون المناصب الرسمية لديهم الحق في الحكم، ونجد أن المنطق نفسه يولد التزاماً متطابقاً بالامتثال، وتعتمد شرعية سلطة الدولة على مفهوم القبول الشعبي بتحويل مجموعة معينة من علاقات السلطة إلى سلطة حقيقية.


وفي هذا الصدد، تُعد الأيديولوجية ضرورية؛ لأنها توفر قاعدة فكرية - وغالباً انفعالية - للسلطة أو المطالبة بتولي السلطة، ومنها التلاعب بالأفكار والخطاب والرموز، ويضع اللاعبون السياسيون والمؤسسات السياسية أنفسهم في سياق المعنى الثقافي ويجري تقديس سلطة الدولة (أو مطالب السلطة بين الحاكم والمحكوم إلى نظام كامل متناغم من الحقوق والواجبات المقبولة، ومن دون هذا النوع من الدعم، تكون الدولة أكثر بقليل من مجرد آلية للإجبار والقسر.

تعكس هذه الموضوعات ما أطلق عليه فيبر مشكلة النظام، يكمن الأمر في محاولات الزعماء السياسيين لتحديد أساليب الحكم الخاصة بهم بأتباع "إطار عمل أوسع من المعاني بتحكم في ولاء أفراده وبإمكان توليد رغبة في الامتثال"، ويستخدم الخطاب واللهجة السياسية بواسطة نخب الدولة (أو الاقتصاد) بهدف ربط مناصبهم المميزة في المجتمع ببعض مفاهيم العدالة والفضيلة، ويعني هذا غرس المفهوم بأن المؤسسات الرئيسية داخل الحياة الاجتماعية "تتناغم إلى حد ما مع الهيكل النهائي للأشياء"، بالتالي فهي "صحيحة أو عادلة"، وعلى نحو متشابه، تنتقد جماعات المعارضة بشكل متكرر الأنماط الحالية للنظام الاجتماعي من الناحية الثقافية أو الأخلاقية بحجة أن بدائل السياسة الخاصة بهم تعكس القيم الحقيقية للمجتمع.

ومن هنا يُعد الدين محورياً بالنسبة إلى قضية الشرعية؛ لأنه يوفر أساساً أخلاقياً وثقافياً للمطالب المتنافسة بتولي القيادة السياسية، ويتعلق الدين تحديداً بالنخب في الدولة الحديثة؛ حيث يعتمد السلطة المخولة لهم على ارتباط وثيق الصلة بين المؤسسات التي تحكم الحياة الاجتماعية والقيم الضمنية التي تعتمدها.

وتأسيساً على ما سبق، نجد أن البنية الاجتماعية والسياسية في اليمن تتجه صوب استحضار المكونات المجتمعية ضمن المصالح السياسية والاقتصادية، والتي قد تتضمن "وحدة الهدف بإنهاء ما يُسمى الانقلاب واستعادة الدولة" نحو التأثير في السلوك السياسي المقابل للقيم المرتبطة بالمفاهيم والأفكار المنفتحة والمنغلقة بالمجتمع، والتي أصبحت سمة بارزة لحالة الازدواجية الهوياتية في ظل وحدة الهدف، غير أن المبادئ المعنية بإيجاد الحلول السياسية ما زالت في إطار "دائرة الفرز والاستقطاب" لمصلحة مكاسب آنية غير ذات صلة بالعمل الحزبي أو التنظيمي، والتي سيتم التعامل معها في مرحلة جديدة ضمن جولات انتخابية "تنافسية" قادمة، بعد تحديد مركز الثقل السياسي والاجتماعي، التي تبدو بأنها مبنية على عدد من الافتراضات المضللة عن طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والقبلية القائمة أو المأمولة، والتي تجسد تفسيراً انتقائياً للخطاب السياسي الذي يتعامل مع المستجدات وليس الرؤى الاستراتيجية؛ حيث عملت تلك الافتراضات على إعادة توجيه الرأي العام إلى مسارات أخرى ذات صلة بالأوضاع الصحية والإنسانية والاقتصادية المتدهورة، وساهمت في تسييس القضايا الاجتماعية المسببة للشقاق والانقسام من أجل استقطاب المجتمع في أطر مجتمعية وتنظيمية.

ومن المحتمل أن يتم استخدامها بواسطة كل من الدولة والمعارضة من أجل تحقيق غايات تنافسية، بعد تحديد النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كمحصلة أولية لحالة الانقسام السياسي وكإطار (إجرائي) لعوامل استمرارية نظام الدولة في مواجهة التحديات الراهنة، والتي تقع ضمن عوامل الحراك الاجتماعي والسياسي والدبلوماسي والإعلامي لحقبة ما بعد ثورات الربيع العربي، ومن تلك التحديات الناجمة عن النتائج المترتبة على تلك العوامل في الإطار الدولي والإقليمي والمعنية بالخلافات السياسية ماثلة في أزمة الحل السياسي ومرجعياته، وأزمة كينونة الدولة وشرعيتها، وإشكالية الدولة المدنية وأطرها التنظيمية والاجتماعية والسياسية.

* يأتي هذا المقال "التدوينة" انسجاماً واتساقاً مع تدوينة سابقة "السلطة والقبلية في اليمن من منظور سوسيولوجيا فيبر وإمارتيا سن".
* للتأمل:
"السعي وراء هوية هو نضال وجودي يائس يهدف إلى وضع أسلوب للحياة يمكنه الاستقرار ولو لحظة قصيرة".


ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.