المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 وليد محمد المطري  Headshot

المساعدات الإنسانية لليمن في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية

تم النشر: تم التحديث:

يأتي العام الجاري الذكرى الـ27 لـ"دولة الوحدة"، أو "إعادة تحقيق الوحدة اليمنية" أو "قيام الجمهورية اليمنية"، كل تلك المسميات كانت حاضرة في سِفر الأدبيات والفعاليات السياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية على مدار أكثر من عقدين من الزمن.

لكن الحديث عنها أضحى من الأهمية بمكان أن نحدد المسارات السياسية والخيارات التمكينية التي أوجدت ذلك الجدل الانسيابي حول مدلولاتها، وشكلت في مجملها الخطاب السياسي خلال مراحل متعددة.

وتظل الإرهاصات الفكرية والتاريخية التي أوجدت الصيغ التوافقية في مرحلة تتطلب مراجعة نقدية للأطر المجتمعية المنضوية في فلسفة التعاطي مع المتغيرات الدولية والإقليمية من منظور جغرافي يتضمن الخصائص والسمات المميزة لمشروع دولة الوحدة، الذي تم التوقيع عليه في الثاني والعشرين من مايو/أيار عام 1990م؛ كي يتسنى كشف السُّبل التي قد -تفرض من خلالها- فرض رؤية بعينها، ويؤسس لادعاء السلطة كواحد من أبرز تلك المتغيرات وعلاقتها بالسمات المعنية بها، ولذلك كان للوحدة نماذج متعددة من المستجدات التي تتخطى التجربة الفردية إلى سيرورة تاريخية لا ترتبط سوى بالسير الانتقالية من الخيال ذي السلطة.

هذا الخيال الذي شكَّل واقعية التعددية ضمن نماذج التجربة والتأويل، التي تفضي إلى نماذج استطرادية من الحوار وتعددية الأصوات.

وهكذا أوجدت الوحدة مسارات تلك المراجعة لنمط التفكير السائد خلال 27 عاماً، وما رافقها من تصورات معنية بالمصالح الاقتصادية الموضوعية والقوى المادية، والعلاقات الاجتماعية التي تُقيد الخيارات، وتنظم القوة، ضمن مدخلات البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نجم عنها صيغة جدلية حول المطالبة بفك الارتباط أو الانفصال، إذا لم تكن تلك المراجعة ضمن "دائرة التوافق" على التحولات الاجتماعية والاقتصادية في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي والسياسي، والتي من شأنها تعيين التغييرات الحاسمة في "عالم الأفكار" بالنظر إلى التركيبة الاجتماعية والديموغرافية للدولة، كون هنالك مَن يرى مفاهيم التغيير في المجتمعات القبلية بأيديولوجياتها الساكنة ونظامها المستقر لم تستطِع التفكير في التغيير كونها عملت على إعادة إنتاج العديد من الأفكار ضمن ما يُسمى "قضية صعدة" أو "القضية الجنوبية"، من خلال حروب صعدة أو الحراك الجنوبي، والتي عبرت عن "القدرة الديناميكية" لإنتاج الخلافات والاختلافات وفي مسارات تأويلية، قد تبدو أنها متناقضة ومتعارضة.

ومن دون شك كانت هناك اختلافات بين المجتمعات القبلية والمعاصرة، إلا أنها لا تكمن في تكنولوجياتها أو تنظيمها الاجتماعي، وإنما يتمثل الاختلاف الجوهري في نظام القيم والفلسفة السياسية المعبرة عنها، التي افترضت أن استراتيجيات الفعل حول القضيتين (سوسيولوجيا الفعل) كان لها ردود براغماتية وضعت بعض القيود الموضوعية لمدى تقبل التحولات المطلوبة أو المتوقعة، وحالت دون استيعاب الأطر المجتمعية المعنية بذلك النظام في أطر جديدة، بل أسهمت في وضع حواجز لنظام الفعل الاجتماعي، ونتاج القيم، والمعايير، والمبادئ الاجتماعية والسيكولوجية التي تُملي سلوكاً معيناً.

ذلك السلوك الذي يعمل على التأثير في السياقات المؤسسية المطلوبة لاستمرارية الكيانات المؤسسية ومرجعياتها الاجتماعية والسياسية ضمن إطار مفاهيمي جديد يستوعب الأطر الجديدة، ويُمكن أن يُوجد الخط الفاصل لما يعرف اليوم بـ"المجلس السياسي الأعلى" و"شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي"، ضمن مساعٍ تبدو متشابهة على نحو جوهري، فكلاهما يتعامل مع قضايا المحتوى المعياري والهوية الجماعية والسلطة الشرعية، غير أن ذلك الاتجاه قد ينتج عنه بالضرورة تعبيرات سياسية جديدة بواسطة عوامل مادية أخرى لتوفر إطار عمل معنوياً للإجراء السياسي بعيداً عن "ثقافة الاستهلاك الإعلامي".

ومن هنا يبرز الرأي الآخر الذي يُسلط الضوء على المخاوف المتوقعة من جراء التماهي مع ذلك المنظور السياسي لإدارة الدولة، من خلال عدد متنوع من ردود الأفعال لبيئة اجتماعية سياسية متغيرة، وقد يكون ذلك الإطار (آنياً) ومعنياً بتقديم آلية توافقية حول كيفية وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها للمناطق المتضررة.

ومن أبرز المخاوف التي ينبغي تسليط الضوء عليها هو أن آلية توزيع المساعدات الإنسانية/ الإغاثية عبر المنظمات غير الحكومية المعنية بالإغاثة، من الممكن أن توجه ضد مَن ساهم في تأسيس تلك المنظمات في هذه المرحلة، أو مَن ساهم في الدفع بها لهذا الغرض، كإجراء تكتيكي يُراد منه تسليط الضوء على القوى الاجتماعية الأخرى الفاعلة، التي بإمكانها أن تُسهم في وضع المعايير اللازمة لتوزيع تلك المساعدات في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية.

وتظل تلك الجهود بمثابة مناورات سياسية عبر تراشقات إعلامية؛ لتعكس التحرك الجماهيري والشعبي لمواجهة آثار الكوارث أو الحروب أو النزاعات المسلحة.

وهذا الغطاء الإنساني يقودنا إلى مقاربة معيارية مع ما يُسمى بسياسة "التكيف المتبادل"، التي استفاد منها الإخوان في سعيهم وراء إعادة تنصيب أنفسهم لكي يصبحوا التنظيم الإسلامي القيادي داخل المجتمع المصري خلال مرحلة معينة؛ حيث نقلت نشاطها إلى مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة تحديات العمل علانية في الحقل السياسي.

ومن الناحية الأخرى، تمكنت الدولة من استخدام الإخوان كقوة معتدلة في الساحة السياسية، غير أن لذلك التكيف حدوده؛ حيث كان ثمن ذلك الترتيب هو الإخلال المتبادل بالأهداف المتعلقة بكل من الدولة والمعارضة: سمحت الدولة بوجود فاعل إسلامي وسطها من دون أدنى معارضة منها، بينما خضعت جماعة الإخوان لمطلب الدولة لمصلحة الاستقرار.

وهذا ما يعكس عدم الارتياح من جراء هذا التحالف الصامت مع جماعة الإخوان؛ حيث لم تكن الحكومة راغبة على الإطلاق في الاعتراف بالإخوان كأحد الأحزاب السياسية القانونية، أو كمنافس داخل البيئة السياسية المفتوحة، خشية المطالبة بمشاركة أوسع في السلطة، في حالة سيطرتها على النقابات المهنية أو المنظمات غير الحكومية، وإزاء سياسة التكيف تلك انفصل العديد من المؤيدين السابقين للإخوان عن التنظيم جراء تلك السياسة، وعوضاً عن ذلك أسسوا تنظيمات سياسية أخرى.

* للتأمّل:
كيف لنا أن نتصالح مع التنوع بيننا ونحن نبحث عن وجه واحد لكل ألواننا وأطيافنا؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.